) لماذا الأدب الإسلامي ؟!
انطلاقا من شمولية الإسلام كمنهج منظم لمختلف النشاطات الإنسانية على هذه الأرض سواء أكانت هذه النشاطات فكرية نفسية أم عملية حركية.
وانطلاقا من أن الإسلام حين يعالج مشكلة من المشكلات في أي عصر من العصور إنما يعمل على إيجاد بديل ليستفرغ النشاط الإنساني فيه طاقاته ويصرف مواهبه فلا تظل هذه الطاقات أو القدرات قدرات معطلة مهملة ثم تصبح عرضة للتفجر والانطلاق في غير ما يراد لها .
وانطلاقا من سيطرة الباطل على الأرض، هذه السيطرة التي تتمثل في سيطرة الحضارة المادية من خلال كثير من الوسائل والطرق أولها وأهمهاالسيطرة الثقافية والفكرية حى أصبحت مناهج الغرب ونظرياته وأفكارة في السياسة والإقتصاد والاجتماع وأفكارة وعقائده لها الغلبةوالتمكن في كل بقعة من بقاع الأرض حتى داخل بلاد المسلمين حيث وجدت لها الأنصار والمؤيدين ومن ينافحون عنها ويدعون إليها في جد ودأب بل لقد أصبحت مراكز السيطرة أبعد مما نتصور لقد وجدت هناك في عقول أبناء الأمة المراكز الحصينة والقلاع الشامخة لهذا الفكر المادي والحضارة الغربية.
ولقد عمل الأدب على إيجاد هذه المراكز الفكرية في عقول أبناء الأمة وكان وقوع الأدب العربي المعاصر – بدءا بالتأثر بالحركة الرومانسية الغربية ومرورا بالواقعية والرمزية الغربية المعقدة وصولا إلى الحداثة المعاصرة – تحت سنابك الفكر الغازي في أشكاله الأدبية من شعر ورواية وقصة ومسرحية سببا من الأسباب التي خلقت ذلك النمط الذي يقدس حضارة الغرب وفكره وثقافته ولا يرى سببا للنهوض والتقدم ودخول آفاق القرن الحادي والعشرين – كما يرون – إلا بتطبيق فكر الغرب في الصغير والكبير وأخذذ الحضارة الغربية – كما يقول أحد دعاة هذا الفكر – بخيرها وشرها !!.
لهذه الأسباب وغيرها كان وجود الأدب الإسلامي ضرورة ملحة وبديلا أمام زحف الأدب الغربي وتأثيرة المباشر في الأدب العربي المعاصر أو بتعبير أدق على الأدب المكتوب بالعربية في هذا العصر .
ونظرة سريعة إلى ما أُنتج من أدب في هذه الفترة - منذ بدايات القرن الماضي إلى اليوم – يؤكد ما نذهب إليه فأنت لا تجد اليوم إلا اليسير من الأدب الذي يمكن أن تنسبه إلى العقل المسلم والوجدان الذي يلتزم نهج الإسلام .. هذا إذا ما قارناه بالكم المنتج من الأدب غير الملتزم بالمنهج الإسلامي.
وهذا بالطبع لا ينفي وجود أدب ترسم خطى الإسلام في هذه الفترة ولكن ما حجم هذا الأدب ومدى انتشاره مقارنا بالأدب الذي صار يقلد كل ناعق يأتي من الغرب المادي .
والسؤال الثاني : ما مدى ماأثر به هذا الأدب الذي صار يعمل على اتخاذ موقف ملتزم بالإسلام إلى جوار ما أثر به الأدب الذي نَهَجَ نَهِِج الغرب ؟
إنك على طول الخط لا تجد من الأدباء العرب من كانت له هذه الرؤية الشاملة الواسعة في النظرة إلى الإسلام كمنهج للحياة اللهم إلا القلة القليلة ظلت بعيدة عن الضوء الإعلامي.
إن وجود الأدب الذي يلتزم الإسلام كمنهج شامل للحياة البشرية الذي يعد ضرورة ملحة حين ننظر لتاريخنا الأدبي المعاصر الذي وقع فريسة للكلمة الغربية كما وقعت أرضنا تحت سيطرة الغرب الزاحف بعدده وعدته وفكره وثقافته ومنهجه في الحياة .
وهنا نقف لنستعرض بعض آثار هذا الغزو الثقافي الذي كان الأدب الممر الذي عبر عليه .
مرحلة ما قبل الرومانسية :
نبدأ فنقول … لكل من الأمم منهج وعقيدة تتميز بها بين الأمم وفكرة تنافح في سبيلها وتسعى إلى الدعوة إليها والسيطرة من خلالها على الأمم .
وأمة الإسلام كأمة متميزة في عقيدتها وشريعتها كان لابد لها أن تنطلق لافي السيطرة على العالم بل في سبيل دعوة الناس إلى الدخول في دين الحق التزاما بمنهجها الذي رسمه لها كتاب الله عز وجل .
{ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين } يوسف ( 108 ) .
وهذا ما حدث في تلك الفترة الزاهية من حياة هذه الأمة حيث أصبح كل نشاط داخل المجتمع الإسلامي الأول في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم – يلتزم بمنهج الدعوة وأصبح كل نشاط – ويهمنا هنا في هذا المقام نشاط الكلمة- موجها للقيام بهذا الدورإلى جوار كافة الأنشطة داخل المجتمع الإسلامي .
وإبان عهد الخلافة الراشدة كان الحال كذلك حتى لنجد مؤرخي الأدب يميزون بين عصر صدر الإسلام وما سبقه في العصر الجاهلي ويؤكدون أثر الدعوة الجديدة – الإسلام- في الشعر العربي في عصر صدر الإسلام ويستخلصون سمات للشعر في هذا العصر تميزه عن سابقه إلا أننا ورغم انحراف مسيرة الأدب العربي فيما بعد العصر الإسلامي الأول عن الصورة النموذج التي كان عليها الأدب في صدر الإسلام نجد آثار هذه الدعوة في كل ما أُنتج من أدب عبر هذه العصور .
وإذا تصفحت عصور الأدب وقرأت لكبار الشعراء حتى المجان منهم وأصحاب اللهو والخلاعة تجد لبعضهم قصائد أصدق ما يقال فيها أنها قصائد إسلامية والشواهد على ذلك كثيرة.
هذا إلى جانب كثيرين ممن قصروا شعرهم على الزهد كأبي العتاهية أو على الدعوة والجهاد كابن المبارك وغيرهما كثير .
وإذا وقفنا أمام شاعر كبير كالمتنبي فإنك حين تتصفح ديوانه تعجب لفيض الحكمة التي يتفجر بها شعره وإن كانت موضوعاته مدحا وهجاءا ورثاءا وما إليها من أغراض الشعر التقليدية .
إلا ان هذه الحكمة ذات الحس الإسلامي تراها متناثرة كاللآلئ في أبيات مفردة دون أن يعرض رؤيا إسلامية شاملة في شعره وقصائده ولنعرض عليك بعضا من هذه الأبيات:
لا تحسب المـجد تمـراً أنت آكله
لن تبلغ المجدحتى تلعق الصبـرا
وقوله :
أعز مكان في الدنـاسرج سـابح
وخير جلـيس في الزمـان الكتاب
وقوله :
الـرأي قبل شـجاعة الشجـعان
هـو أول وهي المحـل الثـانـي
وقوله :
إذا أنـت أكرمـت الكريم ملكتـه
وإن أنـت أكرمـت اللئيم تمـردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا
مضر كوضع السيف في موضع الندى
وهكذا الحال بالنسبة لكثير من شعراء العربية كما أنك واجد في أدبيات العرب النثرية هذه الروح الإسلامية واقرأ – إن شئت – الإخوانيات والرسائل والمقامـات لترى مصداق ما أقـول .
ويستمر الحال على ذلك إلى أن يبدأ الأدب العربي - والشعر خاصة – في التراجع من الناحية الفنية والجمالية ويدخل في طور التقليد للسابقين من كبار شعراء العربية وأدبائها .
وفي الوقت نفسه الذي يتراجع فيه الأدب تشهد الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية تراجعا ملحوظا ويظل خط الانحدار – رغم وجود بعض القفزات فيه – في الهبوط حتى تفيق الأمة المسلمة على جحافل الغزو الاستعماري في القرن التاسع عشر وبدايات هذا القرن تسيطر على أرضها.
وأمام هذا المأزق الحضاري الذي وقعت فيه الأمة الإسلامية وأمام هذا الخطر الداهم نجد هذه الأمة وقد انقسمت شيعا وأحزابا في نظرتها للغرب المستعمر ما بين رافض لهذا الغزو لا يملك غير الصراخ والعويل وما بين مؤيد ومبارك لا ترى منه إلا التشيع لروح التقليد – والتشبع بها – لمنهج هذه الحضارة المادية كان هذا كله سببا في ضياع وحدة هذه الأمة على المستوى الفكري والسياسي والاجتماعـي .
وانعكس هذا كله على وضع هذه الأمة في الزمان والمكان لقد اصبحت تحيا طورا من أطوار التقليد الذي فرض نفسه على شكل الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية وسرت عدواه إلى مناهج التعليم والتربية والقضاء وصبغ جميع مظاهر الحياة لدى الأمة المسلمة ولقد تم كل ذلك بقوة المستعمر وبمن استطاع أن يعدهم على موائده ويصنعهم على عين منهجه ليصبحوا فيما بعد قادة الأمة في فكرها وسياستها ونظم حياتها الاجتماعية والسياسية ويحركهم من خلف الستار ويعد لهم أدوارهم من وراء الكواليس .
وانعكس ذلك كله – بدوره – على الأدب الذي تنتجه الأمة وبمعنى آخر كان الفكر والأدب الذي برز في هذه الفترة صورة لهذا السقوط الحضاري الذي تعيشه أمة الإسلام .
ولنفصل ذلك الأمر :
بدأت الحياة الأدبية في مطلع القرن العشرين ونهاية القرن التاسع عشر تنزع إلى العودة إلى التراث الأدبي والفكري واللغوي تستقي منه رؤاها وتنسج على منواله دون تمحيص لهذا التراث الأدبي والشعري واللغوي وتساوى لدى الحركة الأدبية وشعراء هذه الفترة الذين أطلق النقد الأدبي عليهم اسم ” المحافظين “أو ” البيانيين ” أو “الكلاسيكيين ” أقول لقد تساوى لديهم المتنبي وامرؤ القيس وأبو نواس في خمرياته ومجونه مع ابن المبارك وحسان في الزهد والذود عن العقيدة .
وكان شوقي وحافظ وقبلهما البارودي في مصر والرصافي في العراق وغيرهم صورة لهذه العودة غير الممنهجة وغير الواعية إلى التراث الشعري والأدبي في العصور السابقة .
والمثال على ذلك يمكن أن تراه عند شوقي فبينما تراه يقول عن النبي – صلى الله عليه وسلم - :
ونودي اقـرأتعالـى اللـه قائلهـا
لم تتصل قـبل من قيـلت له بفم
هنـاك أذن للـرحمن فامتـلأت
أسـماع مـكة مـن قدسية النغم
تراه يقول عن الخمر :
رمـضان ولـى هـاتها ياساقي
مشـتاقة تسعى إلــى المـشتاق
حمـراء أو صفـراء إن كريمها
كـالغيد كــل ملـيحة بمــذاق
وبينما تراه يكتب عن سقوط الخلافة تلك القصيدة الرائعة التي مطلعها :
عـادت أغـاني العرس رجع نواح
ونعـيت بـين مـعـالـم الأفـراح
تراه يتغزل ويتحدث عن حفلات تقام هنا وهناك في قصور حكام مصر وبينما تراه ينسج على خمريات وغزليات أبي نواس تراه يترسم نهج البوصيري في مدائحه للنبي – صلى الله عليه وسلم –
هذا التناقض وكثير مثله كان هو الصفة الغالبة على النهضة الأدبية التي شهدها مطلع القرن العشرين وأواخر القرن التاسع عشر في مصر وغيرها من بلدان الإسلام وهذا يعكس بدوره التناقض الذي بدأت تحياه الأمة في مجموعها بل إنك واجدصورة هذا الاضطراب الفكري وعدم وضوح الرؤية وشمولها في أدب كل شاعر وروائي ومسرحي على حدته .
وما يقال عن شوقي يقال عن الكثيرين ممن نسجوا على منوال شوقي ثم إذا تحركنا مع الزمن قليلا نجد أن آثار الاستعمار الغربي في السيطرة الفكرية والسياسية والاجتماعية
لقد أصبحت الأمة الإسلامية تعاني وترزح تحت وطأة المستعمر الذي خرب ودمر فكرها وأسقط دورها الحضاري الذي نيط بها وانعكس ذلك كله على جميع مناشط الحياة في السياسة والاقتصاد وفي الاجتماع وفي التربية والتعليم وفي النواحي التشريعية والحياتية كلها وأصبحت الحياة الأدبية كإحدى نواحي الحياة الفكرية صورة لهذه الاثار المدمرة .
وأما على الصعيد السياسي فنجد أن الأدب سيعطي صورة لهذه الاضطرابات في الفكر والسياسة ونجد أن من الشعراء من يوالي الانجليز ويهتف بحياتهم ويرى لهم كل فضل وينسب إليهم كل محمدة ولا يرى ذلك خيانة لدينه و لا لعقيدته .
ومن هؤلاء الشاعران : ” ولي الدين يكن ” و ” نسيم ” اللذان ناصبا السلطة العثمانية العداء وانضما إلى الأحزاب المناوئة للسلطان العثماني مثل حزب ” تركيا الفتاة ” و ” الاتحاد والترقي ” حتى أن ولي الدين يكن يكتب في مقال عن الصوم كفريضة إسلامية فيتحدث عنه حديث المستهزئ الذي لا يتورع عن المجاهرة بالمعصية والتهكم بأحكام الإسلام وشرائعه وشعائره .
المزيد