أين الأدب الإسلامي

نوفمبر 12th, 2008 كتبها طاهر العتبانى نشر في , نقد أدبى

أين الأدب الإسلامي ؟

 

  بعد هذا العرض السابق الموجز لتاريخ الأدب المعاصر فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن  هو: أين الأدب الإسلامي من هذه التغيرات الثقافية والفكرية والأدبية ؟

إن المتصفح لديوان الشعر العربي المعاصر بدءً من الكلاسيكيين لا يجد لدى شاعر من الشعراء الذين انتسبوا إلى هذه المدارس جميعا رؤية إسلامية شاملة للأدب  على الرغم من أن المتصفح لأدب هذه الفترة يجد أن هناك في أدب هؤلاء عددا من القصائد الإسلامية وبعضا من الشعراء الذين حاولوا تبني الرؤية الإسلامية للأدب كما عند الأميري وهناك النماذج الكثيرة ولكنها نسبة ضئيلة بالنسبة لمجموع ما أنتج من أدب خارج التصور الإسلامي

اقرأ إن شئت إسلاميات شوقي وقصيدة ” العمرية ” لحافظ إبراهيم أو اقرأ قصيدة عمر المختار عند شوقي وأمثالها .

وكذلك لا يخلو الأمر عند أصحاب الرومانسية من  قصائد ترى فيها آثارا للرؤية الإسلامية الواسعة كما في بعض أناشيد محمود أبي الوفا وبعض قصائد الشابي كقصيدة ” قلب الأم “وقصيدة ” أيها الشعب ” وربما وجدت في بعض شعر إيليا أبي ماضي أثرا للفطرة الإسلامية لا تتناقض مع الإسلام وإن كان غالب شعره يلتقي مع الرومانسية في كثير من فكرها ورؤيتها وتصورها وربما كانت قصيدة ” الطين ” لأبي ماضي من أجمل ما يُقرأ له ومن أجمل ما كتب هو من شعر يقول فيها :

نسى الطين ساعة أنه طين               حقير فصال تيها وعربد

 وكسا الخز جسمه فتباهى              وحوى المال كيسه فتمرد

والذي نريد أن نخلص إليه أن تقليد هذه المدارس الأدبية بدءا بالرومانسية وانتهاءاً بالحداثة كانت له آثاره السلبية الكثيرة كما كانت له بعض الإيجابيات التي  لا ننكرها.

فمن ناحية الآثار السلبية وجدنا آثار التصور الغربي الأوروبي للحياة والكون والإنسان ذلك التصور الذي يتبدل مع تبدل المدارس والمذاهب والفلسفات و يطغى على نظرة الأدباء والكتاب والمفكرين والشعراء وأصبح شعرهم وأدبهم أثرا لطغيان نظرة الغرب على عقولنا وعلى ثقافتنا .

      وأصبحت الكلمة شعرا ونثرا ورواية ومسرحا امتدادا لهذا

ا لتصور ومنطقه وكل هذا رسخ في أذهان المثقف العربي قيما وتقاليد ورؤى وتصورات لا تنسجم مع التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان وأصبح الأدب العربي عربي الكلمات غربي الروح والوجدان والعاطفة وصرنا ننفعل على طريقة انفعال الرجل الغربي  ونسلك كما يسلك ونتأثر على طريقته في التأثر ونسينا تماما شخصيتنا المتميزة وأدبنا المتميز ومنهجنا المتميز في كل جوانب الحياة .

ومن ناحية الأثر الإيجابي كان هناك تأثر بكثير من القيم الفنية التي لم يستطع شعراؤنا ولا أدباؤنا على مدار هذا القرن أن يستفيدوا منها بعيدا عن التأثر بما حوته من مضامين ورؤى وتصورات فكرية وعقيدية.

ولو أن اكتساب هذه القيم الفنية والجمالية من ناحية الأسلوب والصياغة وبناء العمل الأدبي وطرائق التعبير وغيرها من جماليات العمل الأدبي كان بعيدا عن الوقوع تحت سنابك الفكر الغربي والرؤية والتصور الغربيين لاستطعنا أن نفلت من إسار التقليد البغيض والتبعية الفكرية وا

المزيد


الرؤيةالفكرية عند صلاح عبد الصبور

أكتوبر 24th, 2008 كتبها طاهر العتبانى نشر في , نقد أدبى

الرؤية الفكرية عند صلاح عبد الصبور

  

 

  كان دخولي إلى مرحلة التصور الإسلامي للأدب أعظم تحول في حياتي الأدبية و الفكرية وكنت قبلها قد وقفت قبلها طويلا أمام الشعر العربي رواده وفحوله من المعاصرين والقدماء وفي المرحلة التي كنت مهتما فيها بقراءة شعراء المدرسة الحديثة التي دخلت بالشعر العربي مرحلة التفعيلة في ناحيته الشكلية ومرحلة الحداثة – كما يقولون – في رؤياه الفكرية والفنية وقفت وقفة طويلة أمام الشاعر صلاح عبد الصبور الذي لا أدري هل كان السبب في اهتمامي به ما ناله من شهرة واسعة بين شعراء هذه المرحلة في مصر وغيرها أم أنه استحق بالفعل هذا الاهتمام مني حيث وجدت فيه إشباعا لنهمي الشعري والمعرفي الذي أعترف أن له منها نصيبا كبيرا وحظا وافرا .

     لقد كان من أشد ما جذبني إليه فيما أعتقد في هذه المرحلة المبكرة من حياتي الشعرية – أوائل العشرين من عمري – وخصوصا بعد ما قرأت قدرا لا بأس به من أدب الجاهليين والإسلاميين والأمويين والعباسيين وما حول هذه الحقب من تاريخ وثقافة وبعد ما واصلت القراءة إلى العصر الحديث بدءً من شوقي والبارودي وحافظ وانتهاء بآخر موجات الرومانسيين مرورا بكبرائها أمثال العقاد وناجي وعلي محمود طه وأمثالهم كالشابي والهمشري ومحمود حسن إسماعيل .

أقول كان أشد ما جذبني إلى قراءة صلاح عبد الصور مسرحياته الخمس التي كنت أستمتع بقراءة الواحدة منها تلو الأخرى مرة بعد مرة وأحس ما بلغ فيها صلاح عبد الصبور من تطور في الأداء المسرحي الشعري بعد الثلاثة الكبار الأول – شوقي وعزيز أباظة وعبد الرحمن الشرقاوي-   

لقد كنت في هذه الفترة لا أعرف من الأدب إلا أنه أدب ولا أحاول أن أفهم منه شيئا فوق ما تعطيه قراءته من متعة فنية وجمالية وما تزودني به هذه القراءة من الخبرة المعرفية والفنية دون النظر فيها إلى ما هو صحيح أو خاطئ أو إلى ما هو قبيح وجميل  - كما يقول صلاح عبد الصبور نفسه – ولم أكن في هذا الوقت أمتلك المقياس المعرفي والثقافي الذي يرتكز على تصور محدد ومنظم للكون والحياة والإنسان وإن لم أعدم – مع ذلك – الإحساس الفطري العميق بالمفهوم الإسلامي للكون والحياة والإنسان ومن ذلك الأدب ذلك الإحساس الذي يحوجه إلى حد بعيد بناء ثقافي ومعرفي يرتكز على أسس فكرية إسلامية واضحة المعالم وملامح متفرقة   -  وإن كانت كثيرة – من الفكر الغربي وفلسفاته ونظرياته وجوانب من تاريخه وحضارته .و بعد ما وقفت على كتابات كثير من المفكرين الإسلاميين المعاصرين ورجعت إلى المراجع الثقافية الإسلامية القديمة  ومن ذلك كتب التفسير والحديث والفقه والتاريخ والسير والأخبار استطعت أن أجد الميزان المعرفي والثقافي لكل رأي أقرؤه وكل فكرة ألم بها حتى وإن لم أستطع تقويمها ونقدها ورؤيتها رؤية كاملة فإني لا أعدم أسسا للبحث والمعرفة والوقوف على صحة هذه الأفكار وخطئها وبعدها أو قربها من التصور الإسلامي ولا أعدم كذلك أسسا للإطار المرجعي الفكري بها يمكن الكشف عن حقائق ما أقرأ واتخاذ موقف منه .

وفي هذه الفترة انكببت على كتابات الإسلاميين المعاصرين من المفكرين والعلماء لأجد فيها غناء فكريا أعظم ما فيه أنه رد إلى قلبي طمأنينة كانت قد فارقته وسكينة كانت قد أصبحت من ذكرياته وأزالت حيرة كانت قد استقرت فيه.

وفي هذه الفترة أيضا تعرفت على آخرين من الشعراء ربما لم يشبعوا نهمي الفني كما وجدت عند غيرهم وإن كنت قد أحسست بما لديهم من تصور مختلف للكون والحياة و الإنسان وأنهم ينطلقون من أسس فكرية غير تلك التي وجدتها عند صلاح عبد الصبور وأضرابه من شعراء الحداثة مثل سعيد عقل ونزار قباني وأدونيس وخليل حاوي وغيرهم .

    وكلما عاودت القراءة لبعض ما يعجبني ويروقني عند صلاح عبد الصبور وغيره اكتشفت أني أصبح لي موقف مغاير من كل ما أقرؤه لهم .

    ولقد كنت في المرات الأولى أجمع في قراءتي له بين ما كتبه من شعر في دواوينه ومسرحياته وما خطه من مقالات جمعت في كتب أو نشرت في صحف حول الأدب والفكر والفن والسياسة والتاريخ وغير ذلك من الموضوعات وأصبحت عندما أعود إليها أجدني أكاد أختلف معه حتى التضاد والتناقض .

   وهنا أنقل بعض كلامه يقول فيه ” فأنا أحب لمن يأتي بعدي أن يقرءوني مفتشين عن عيوبي وأن يحاولوا أن يتجاوزوني أنا وجيلي” وبمنطق القراءة التي تفتش وتمحص نحاول القراءة.  يرى صلاح عبد الصبور في مقال له حول تجربته الشعرية وهو عبارة عن محاضرة ألقاها صلاح عبد الصبور في الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1979م ونشرت في مجلة فصول – أكتوبر 1981 - أن إضافته للشعر العربي تمثلت في ثلاثة أشياء هي:

1 )  اصطناع لهجة الحديث الشخصي الحميم في القصيدة الشعرية على نحو أفقد القصيدة العربية كثيرا من خطابيتها الزائفة.

2 ) إضافة عنصر الفكر إلى العمل الفني بحيث يخرج القارئ له بأن له وجهة نظر في الحياة والكون.

 3 ) إضافته في المسرح الشعري .

وهذا الأخير صحيح، فمما لا شك فيه أن صلاح عبد الصبور طوّر الأداء الشعري المسرحي تطويرا يحسب له وقد نعود في مكان آخر لمناقشة هذا التطوير.

  أما الأمران - الأول والثاني – وهما إضافته اصطناع لهجة الحديث الشخصي الحميم في القصيدة الشعرية وإضافة عنصر الفكر إلى العمل الفني فهو ما لا نسلم له به  فالشعر العربي وإن اتسم بالخطابية على مدار تاريخه الطويل إلا أن شعراء المدرسة الرومانسية على وجه الخصوص كان لهم الدور الأكبر في مهد الطريق وتعبيده والسير عليه في هذا الاتجاه وهو الخروج بالقصيدة العربية من خطابيتها العالية – لا الزائفة – وفرق كبير بين الأمرين.

 ثم إننا لانعدم من شعراء العربية القدامى – كابن الرومي والمعري – من اتسم شعره بهذه الخاصية التي ابتعدت به كثيرا عن تلك الخطابية وصلاح عبد الصبور يؤكد نفسه ذلك في حديثه عن ابن الرومي وعن ذي الرمة وعن المنخل اليشكري وعن المعري في كتابه الطريف “قراءة جديدة لشعرنا القديم ” ويقف على نماذج أخـص خـصائصها أنـها جمعت بين هذين الأمرين : خفة حدة اللهجة الخطابية بدرجة كبير هو ما ينقل – كما يقول – جو القصيدة إلى التأمل والدعابة والطرفة والقص كما عند عمر بن أبي ربيعة وغيره.

ولعلنا لو حاولنا التفتيش عن نماذج من الشعر العربي القديم لوقفنا على كثير من هذه النماذج التي احتفى بها وبمثلها صلاح عبد الصبور نفسه كاحتفائه الشديد ببعض قصائد ابن الرومي والمعري.

أما الأمر الثاني الذي يدعيه صلاح عبد الصبور لشعره فيه أنه تميز بما حمل من فكر خلف أبياته وسطوره.

وبداية نقول إن لكل شاعر وأديب فكرا ما يريد من خلال شعره وأدبه أن يصل إلى القارئ به.

أما الذي يختلف فهو نوع هذا الفكر فقد يوجد لدى شاعر من الشعراء كميلتون – في الفردوس المفقود-  ما ليس عند دانتي – في الكوميديا الإلهية – وما ليس عند شكسبير في مسرحياته وكذلك القول في شعرنا العربي.

إن شعرنا العربي لم يخل في حقبة من حقيه من فكر ما أو فلسفة ما قد تختلف هذه الفلسفة وهذا الفكر وهذا التصور من شاعر لآخر ومن جيل من الشعراء إلى آخرين ولكننا لا نعدمها في كل عمل أدبي وفني.

فهذه طرفة ابن العبد في معلقته وهي مرحلة بعيدة في الشعر العربي يحدثنا عن رؤيته للحياة والكون من خلال فلسفة اللذة والتمتع بالشراب لأنه غير مخلد في الحياة ولذا فهو يتمتع بها وبلذاتها بكل ما أوتي من قوة .

وأبو نواس في زهده ومجونه على السواء لا نعدم لديه فكرا ما يفلسف به رؤياه الشعرية ويضمنه إياها ولا نستدل هنا بغير ما اختاره صلاح عبد الصبور نفسه من شعر أبي نواس في كتابه ” قراءة جديدة لشعرنا القديم ” يقول أبو نواس :

أيـا رب وجـه في التـراب عتـيق

         

المزيد


الشعر في العصر الثوري

أكتوبر 7th, 2008 كتبها طاهر العتبانى نشر في , نقد أدبى

الشعر في العصر الثوري

  

 

  كان لحركة الجيش المصري في يوليو 1952م دور في صبغ الحياة السياسية والفكرية في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات في مصر بالفكر الاشتراكي الماركسي وتحت كثير من المسميات ظهرت أنماط حياة جديدة حاولت طمس كل معلم من معالم الفكر الإسلامي الصحيح الذي أصبح دعاته مغيبيبن عن الحياة العامة ثقافية واجتماعية وسياسية إما في السجون والمعتقلات أو خارج مصر نظرا للجو الخانق الذي لعبت فيه السلطة السياسية دورا كبيرا واستطاعت أن تفرض هيمنتها على مرافق الحياة كلها فلم يعد كاتب يكتب عن الإسلام  إلا من خلال إلصاق دعاوي الاشتراكية وأفكارها بمفاهيم الإسلام وتعاليمه .

واستطاعت هذه الحركة أن تجتذب حولها من يروج لفكرها وسياساتها ويغطي الوجه الزائف الذي فرضته على الحياة في مصر فظهر ما أسموه الأدب الاشتراكي والنقد الأدبي الذي يؤسس لهذا الأدب ويحاول إظهار هذه المفاهيم من خلال الأدب المكتوب شعرا ونثرا في هذه الفترة .

    وكان من الشعراء الذين استطاعت حركة الجيش المصري بعد أن قبضت على زمام السلطة في مصر ان تحركهم لبث مفاهيمها وفكرها الشاعران صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي .

ولم يقف هذا التوجه الأيديولوجي المشتق من الفكر الماركسي عند هذين الشاعرين في مصر بل امتد ليكون هو التوجه الذي غلب على كثيرين من شعراء ونقاد هذه الفترة فوجدنا سليمان العيسى يكتب عن أبي ذر ويبرزه على أنه ثائر اشتراكي في وجه السلطة السياسية على عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان معتمدا في ذلك على مصادر تاريخية أغلبها مما لا تصح رواياته ولا تثبت أمام النقد التاريخي كما هو معروف في علوم الرواية .

ونجد البياتي في العراق وأدونيس في سوريا يحاول كل منهما أن ينفخ في النار في التراث القومي والشعوبي في فترة ما قبل الإسلام أو في فترات الشذوذ والخروج عن التصور الإسلامي كما في فكر الباطنيين وأمثالهم محاولين إحياءه من خلال استعارة رموزه ومضامينه وإسقاطها على الواقع أو على أنها نماذج للخلاص .

وهكذا أصبحـت كلمات  ” الـفكر الاشـتراكي ” و ” العصـر الثوري ” و ” الأدب الاشتراكي ” ومثيلاتها هي المهيمنة على حركة الفكر والثقافة .

في هذه الفترة ظهر كتاب ” الشعر في العصر الثوري ” والذي صدر في أكتوبر 1966م وفيه يحاول مؤلفه – الدكتور عز الدين إسماعيل – أن يضع مجموعة من الأسس النقدية والأيدلوجية التي تقوم على الفكر الماركسي ويسقطها على أدب تلك الفترة .

يقول د . عز الدين إسماعيل في هذا الكتاب :

” ونحن نمر في عصرنا الثوري بتجارب حيوية في سبيل بلورة إطار عالم لحياتنا وقد اقتضانا هذا خوض عدة معارك مع أنفسنا ومع القوى المعطلة أو المناوئة في الداخل وفي الخارج حتى تأكد لنا أن طريق الاشتراكية هو الطريق الذي نستطيع أن نحقق به كياننا ونؤصل وجودنا ونضع لحياتنا إطارا جديدا واضح المعالم محدد القسمات “

  ويقول : ” وكما كانت ثورة يوليو النبع الذي انطلق منه المد الثوري وما زال في أرجاء الوطن كذلك حملت اشـتراكـيتنا اسم  ” الاشتراكية العربية “  لأننا سواء في معاركنا السياسية أو الاجتماعية لم ننس يوما – وما كان لنا أن ننسى – أننا جزء من الوطن العربي ولهذا كانت تجربتنا الاشتراكية رائدة للنظام الاجتماعي الذي اتخذته البلدان العربية الأخرى المتحررة وصار الاتحاد الاشتراكي العربي هو القوة الساهرة من أجل إقامة ذلك البناء الاجتماعي الجديد ” هذه الفقرات من الكتاب توضح لنا كيف حاول ذلك الناقد أن يرسم توجها فكريا للأدب يقوم على الفكر الاشتراكي الماركسي تحت دعاوي الاشتراكية العربية التي كانت- في نظر الناقد - هي ذاتيتنا الثقافيةوخصوصيتنا الفكرية .

وأصبح الشعر أشبه باللافتات الانتخابية التي تدعو إلى الفكر الذي سيطر على هذه المرحلة الحرجة التي اتسمت بالقهر والطغيان السياسي والفكري على حد سواء، هذا الفكر الذي سموه -على حياء من استخدام كلمة الماركسية – الفكر الاشتراكي العربي.

ويورد الناقد د . عز الدين إسماعيل في كتابه قصيدة لأحمد عبد المعطي حجازي يدلل بها على ما يريد الوصول إليه :

كن لي عائلة

يا حصن الفلاحين الفقراء

فأنا لا أسرة لي

إلا الإنسان بلا أسماء

كن لي عاصمة

يا بلد العمال الغرباء

 فأنا لاموطن لي

المزيد


لماذا الأدب الإسلامي - مرحلة مابعد الرومانسية

أكتوبر 3rd, 2008 كتبها طاهر العتبانى نشر في , نقد أدبى

الشعر ما بعد الرومانسية

 

 

( أ ) البدايات الأولى :

كانت البدايات الأولى للسياب ونازك الملائكة ألصق بالأسلوب الرومانسي الذي يقوم على الخيال الجامح والتشبث بالطبيعة ويمكن القول أن البدايات الأولى لشعر الحداثة كانت في نهايات الأربعينيات من القرن الماضي عندما كتبت الشاعرة العراقية نازك الملائكة قصيدة الكوليرا وذكرت في كتابها قضايا الشعر المعاصر أن السياب نشر في ديوانه أزهار ذابلة قصيدة من الشكل الذي كُتٍبَت به قصيدة الكوليرا .

هذا الشكل العروضي الجديد الذي اعتمد وحدة التفعيلة بدلا من وحدة البيت الشعري في الشعر العمودي كان هو البداية الحقيقية لحركة الحداثة التي كانت صدى لما تم في الغرب من تطور في معالجة فنون الأدب من خلال المذاهب الفكرية والفنية التي جاءت بعد العصر الرومانسي .

وبينما كانت الفترة الكلاسيكية والرومانسية ظاهرة عامة وسمة مميزة لكل من عصريهما فإن عصر ما بعد الرومانسية اتسم بالتحولات السريعةوالأفكار المتعددة التي ماتلبث أن تظهر على السطح حتى يبتلعها الموج في واقع اجتماعي متشابك ومعقد لا تحكمه معايير محددة و لاقيم ثابتة .

وقبل أن نتحدث عن تيار الحداثة في الأدب العربي وما أثربه في واقعنا الثقافي والاجتماعي من تاثيرات ضارة بعيدة المدى بفكرنا وثقافتنا وتميزنا الحضاري والاجتماعي نعرج سريعا على ماحدث في أوروبا في الفترة التي أعقبت انتهاء الرومانسية وخفوت صوتهافقد ظهرت في أوروبا عدة تيارات فكرية وأدبية وفنية وكان كل منها أشبه برافد ليصب فـي مجرى كبير أسـماه نـقاد الأدب تيار الحداثة .

ومن هذه الروافد كان المذهب الطبيعي الذي يقوم على تقليد الواقع ونسخه والتعبير عنه على الصورة التي يوجد عليها في ظاهر الأمر بدون تهويل خيالي كالذي اتسمت به الرومانسية .

وهذا المذهب ينبثق أساسا من الفلسفة المادية في الفكر والفن  ويرى أن جماليات العمل الأدبي تنبع أساسا من محاكاة الواقع بناء على تصور وقيم جمالية تنبع من الفلسفة المادية في مواجهة الفلسفة  المثالية ولقد ارتبط هذا المذهب أكثر بأشكال أدبية غير الشعر كالقصة والمسرحية النثرية والرواية .

وهذا المذهب كان انبثاقا من فكرة الواقعية بمعناها القريب – غير الواقعية الاشتراكية – والتى ظهرت كرد فعل على تيار الرومانسية الجارف .

ثم انبثق من هذا المذهب ما سمي بالمدرسة الانطباعية التي تقوم   أصولها الفلسفية والفكرية على فلسفة التغير الدائم عند الفيلسوف اليوناني القديم هيرقليطس ويقول د. أحمد الطاهر مكي :  كانت الانطباعية ثورة على الكلاسيكية والرومانسية معا وأصبح لها دعاة في عالم الأدب عرفوا بالاسم نفسه وقرب نهاية القرن التاسع عشر أصبحت الأسلوب السائد في جميع أرجاء أوروبا وأصبحنا نجد في كل مكان شعراء للأحوال النفسية ولانطباعات الجو و لفصول السنة الضائعة وللساعات الهاربة في اليوم وأصبح الناس يقضون أوقاتهم حول أشعار غنائية عابرة لا تكاد تلمس وعن منبهات حسية غير محدودة وغير قابلة للتحديد .

كانت كل من المدرسة الطبيعية والانطباعية في الأدب الـغـربي  - كما سبق أن قلنا – تطورا عن فكر الواقعية التي ظهرت كرد فعل للخيال الرومانسي المهوم تحاول أن ترد الأدب ليعبر عن الواقع بصورة مباشرة ودون اعتماد على الذاتية المفرطة والخيال المجنح بل تدعو إلى رصد الواقع بشكله الحقيقي .

يقول سيدني فنكلشتين : والفن الواقعي يعكس تاريخ زمانه إنه يمنح الناس معرفة بالنسيج الأعرض للمجتمع الذي يعدون هم جزءا منه ويبين لهم كيف أن مشكلاتهم إنما يشاركهم فيها الأخرون مشاركة تتم على مستوى عريض

وليس يخفى في كلام هذا الناقد الأمريكي فكرة الطبقات والصراع الطبقي وكلمة  النسيج الأعرض للمجتمع   تعكس بوضوح وقوع هذا الاتجاه تحت تأثير الفكر الماركسي وتفلسف قضايا الأدب والفن بناءا على الأفكار الماركسية حيث يرى ماركس أن البنية السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها تقوم على تطور البنية الاقتصادية التي تقوم في حقيقتها – كما يرى ماركس – على أساس علاقات الإنتاج في المجتمع .

ومن الناحية التطبيقية كانت الثورة البلشفية في روسيا والتي اتخذت من فكر ماركس وأسسه ونظرياته أيدلوجية لبناء الدولة الشيوعية .

كانت هذه الدولة  عاملا من عوامل انتشار الفكر الشيوعي ومن ورائه الأدب الذي يدّعي الالتزام بقضايا الحرية والعدالة والدفاع عن الطبقات الفقيرة والمسحوقة من ابناء المجتمع واصبح الحزب الشيوعي هو الموجه الأول لكل ما يصدر من أدب وفن وأصبحت القيمة الجمالية في الأدب في المرتبة الثانية بعد ما يتضمنه العمل الأدبي من أفكار ماركسية .

ولا يعد من نافلة القول أن نذكرأن  سدنة الحزب الشيوعي في روسيا وغيرها من البلدان التي تبنت الشيوعية وبشروا بها كانوا هم أنفسهم أبعد الناس عن الإحساس  بآلام

المزيد


لماذا الأدب الإسلامي - مرحلة الرومانسية

سبتمبر 30th, 2008 كتبها طاهر العتبانى نشر في , نقد أدبى

مرحلة الرومانسية

 

 

(أ) الرومانسية في أوربا:

   ظهرت الرومانسية – كما يقول “رينيه و يليك “- مع بدايات القرن التاسع عشر كحركة عامة في الفكر والفن الأوروبين ، ولم تكن مجرد حركة أدبية ، فمن المستحيل أن يكون الأدب والفن بمنأي عن واقع الحياة .ولقد كانت هذه الحركة الفكرية ، والفنية طوراً من أطوار الفكر الأوروبي الذي ما إن يبدأ طواراً فكرياً جديداًويقطع فيه شوطاً حتي يكتشف أنه أخطأ الطريق وأنه بحاجة إلي فكر جديد ، بل وعقيدة جديده يتصور أنها تصلح شئون حياته السياسية والاجتماعية وغيرها من شئون الحياة ونواحيهاالمتعددة

   ولكن إذا عدنا إلي الوراء قليلاً في التاريخ الأوربي فإننا سنري كيف تخلص الفكر الأوروبي من سيطرة الكنيسة ، والدين الكنسي إبان عصر النهضه العلمية والثورة الصناعية ؟، وكيف أصبحت الحياة الأوروبية والفكر الأوروبي بمنأي عن تأثير الدين الكنسي الذي كان يحفظ لهذه القارة بعضا من الأخلاقيات و التماسك وفي عصر النهضة العلمية والثورة الصناعية بدأت عصر قيم جديده وتقاليد جديده ، كانت كلها نتاجا للإحساس الذي نشأ لدى الأوروبي ، وهو أنه بدأ يمتلك القدرة العلمية ، ويسيطر علي مناشط الحياه المادية المختلفة ، ويخلع من رقبته  ذلك القيد الكنسي وتلك العبودية للكنيسة ويخلع معها من فكره كل ما يتصل بالدين من بعيد أوقريب ، ويعمم نظرته إلي الدين البابوىّ  علي كل دين فيرفض كل ما يتصل بالدين أي دين .

   ووسط هذا الهجير الروحي وتلك الماديةالمسيطرة ، والحياة الخاليه من كل قيمة سوي قيم الثورة الصناعيه و النهضه العلميه المادية وجد الأوروبي نفسه بحاجة إلى إله يتعبد له ، فالإنسان بطبعه لابد له من عقيدة يعتقدها وإله يعبده فان لم يعرف  العقيده الصحيحة السليمه ـ عقيدة الإسلام ـ ، التمس لنفسه عقيدة أي عقيدة حتى ولو كانت زائفه .

   وهنا تكمن بدايه الرومانسية كحركة فكرية وعقيدية   ترى في الطبيعة إلها تتعبد له ومن ثم جاء الأدب ليعبر عن هذه الحركة الفكرية والعقائدية .

 ثم تنتشر كفكر وأدب مع بداية القران التاسع عشر وتصبح سمة للفكر الأوروبي في هذا القرن .

    وبالطبع لقد حملت هذه الحركه الرومانسية قيماً أدبيه جديدة إلى جوار ما حملته من فكر وعقيدة ومضامين ، لقد أعطت الخيال الرومانسيّ - كما يسمونه - القدح المعلَّى وجعلته فرس الرهان في حلبة الصراع مع أدب الفترة السابقة الـــتي عرفت في تاريخ الأدب الأوروبي بالكلاسيكية والنيو كلاسيكية .   

   وأيضاً لقد جعلت الرومانسية الطبيعة ووصفها، والحديث عنها هو الموضوع الذي يهتم به الرومانسيون به .

   كما أعطت للمشاعر الإنسانية نحو الطبيعه والكون ـ كمعبود في  تصورهم ـ المرتبه الأولي في الأهميه .

   ولم تلتفت في هذا كله إلى الذي أوجد هذه الطبيعه وخلق هذا الكون ؛ حتي لقد حدث عداءٌ كبير بين الفكر الرومانسي وأفكار ” نيوتن ” الرياضية عن الكون كمخلوق أبدعته يد حكيم ٍقادر ٍمبدع ٍونشأ ما أسموه بعداء الرومانسية للتفسير ” النيوتوني ” للكون

 

 (ب)الرومانسية في الأدب العربي :

   وكنتيجة لوقوع العالم الإسلامي تحت وطأة المستعمرالغربي عسكريا وسياسيا واقتصاديا بدأأرباب الفكر والأدب حركة الترجمة التي بدأت منذ رفاعة الطهطاوي وإنشاء مدرسة الألسن فكان لحركة الترجمة أثر كبير في نقل الفكر الغربي إلى العالم الإسلامي .

   ومن هنا بدأ نقل التصور الغربي للكون والإنسان والحياة إلى بلاد الإسلام وبدأت كذلك آثار التأثر والولوع بأدب الغرب وفكره وثقافته ، تظهر في شعر الفتره التي تلت فترة المدرسة البيانه وأدبها ، وظهرمن  الشعراء من ينادي بالنسج علي منوال الشعر الأوروبي حتي وجدنا من الشعراء هذه الفترة من يذهب إلى  ترجمة الشعر الأوروبي إلى اللغة العربية في أوزان الشعر العربي وعموده الخليلي ، ونجد من مدرسة الديوان ، التي حمل لواء ها العقاد والمازني وشكري ، حملة علي الأدب البياني وبخاصة شوقي الذي جعلوا منه هدفاً لتصويب سهامهم النقدية التي كانت متأثرة إلي حد بعيد بمنهج النقد الغربي والإنجليزي منه بصفة خاصة وبما جاءت به نظريات علم النفس وآراء السيكلوجبين عن الأبداع وطبيعته والابتكار والشخصية المبتكرة .

   وكذالك كانت مدرسة المهجر ـ وأكثر شعرائها من الشام من لبنان وسوريا وأكثرهم من النصارى ـ مركزاً من مراكز نقل الفكر والتصور الغربي الرومانسي إلي الأدب العربي المعاصر . وإن شئت فاقرأ لمخائيل نعيمة وإيليا أبي ماضي وجبران وغيرهم من شعراء هذه المدرسة الذين عاشوا خارج أوطانهم وأصبحوا معبرا عبرت عليه أفكار الغرب في الفترة التي سيطرت فيها الرومانسية على الأدب والفكر العربي .

هذا في نفس الوقت الذي كان الأدب الغربي قد بدأ يغير أثوابه وأزياءه ويثور على هذه الرومانسية .

(ج) الاتجاهات الرومانسية :

   ولقد تمثلت هذه المدرسة في ثلاثة تجمعات كبرى:

الأول : مدرسة أبو للو ومجلتها التي أسسها أحمد زكي أبو شادي وقاد فيها الدعوة لهذا الاتجاه ، ونجد أن في التسمية نفسها أبو للو  أثرا ً من آثار هذا الارتماء في أحضان الغرب .

الثاني : مدرسة الديوان ، والتي تمثلت في كتاب الديوان الذي أخرجه المازني والعقاد ، والذي ركز علي نقد شعر شوقي من خلال مضامين جديدة علي الأدب والنقد منهاالوحدة الموضوعية والعضويه والمعايير النفسية التي تأثر بها الناقدان من خلال القراءات الواسعة في الأدب الغربي وشعره ونقده ، وكذالك لم يسلم من نقدهما عبد الرحمن شكري نفسه

الثالث : مدرسة المهجر التي تكونت في أمريكا من مجموعة من الشعراء الرومانسيين وأكثرهم من الشآميين حيث كونوا  الرابطة القلمية  وقد كان شعر المهجر في مجموعه صورة من الأدب الغربي سواء في صوره وتعبيراته أو في التصور الرومانسي الذي يقدس الطبيعة و يتعبد لها ، ويذوب فيها ويغالي في الخيال ويجعل ذالك هدفاً بحد ذاته من أهداف هذه المدرسة .

(د) نظرة تقويميه:

    والناظر في مجموع ما أنتجه الرومانسيون من شعر يجد ندرة الشعر الذي يتحدث عن القضايا التي تعيشها الأمة ، بل لقد أصبح كل شاعر جزيرةمنعزله عن الواقع الذي تحياه الأمه في ذلك الوقت لم يعد الشاعر يكتب في غير أحزانه الخاصة وهمومه وآلامه الشخصية وسيطرت بشكل واسع فكرة الفن للفن وعبادة الطبيعة  حتى إن الأحداث التي كانت تمر بالأمة لا تستلفت أحدا من الشعراء للحديث عنها وماكان يستلفت النظر منها لاتجده إلا شعراً ضعيفاً مليئاً بالبيانيات والزخارف اللفظيه وتصبح القصيدة وصفاً للحادثة وتعليقاً عليها تعليقاً سريعا ًلا يتوقف أمامها متخذا ً موقفا ً يقوم علي دعائم فكريه واضحة أوتصور شامل منظم ، ومثال ذلك عند علي محمود طه حين ما يتحدث عن ” كيلو بترا ” أو عن “الجندول ” تجد هذه اللغة الشفافة التي تصور ذلك الجو الرومانسي الذي هو صورة الهيمان والذوبان في الطبيعة وصورها وظلالها والأقبال علي متاعها وشهواتها ولذاتها المتمثلة في الخمر والنساء.

وأما حين يتحدث عن حادثة من الحوادث التي كانت تمر بمصرفي ذلك الوقت أو حين

المزيد


لماذا الأدب الإسلامي

سبتمبر 28th, 2008 كتبها طاهر العتبانى نشر في , نقد أدبى

) لماذا الأدب الإسلامي ؟!

 

 

انطلاقا من شمولية الإسلام كمنهج منظم لمختلف النشاطات الإنسانية على هذه الأرض سواء أكانت هذه النشاطات فكرية نفسية أم عملية حركية.

وانطلاقا من أن الإسلام حين يعالج مشكلة من المشكلات في أي عصر من العصور إنما يعمل على إيجاد بديل ليستفرغ النشاط الإنساني فيه طاقاته ويصرف مواهبه فلا تظل هذه الطاقات أو القدرات قدرات معطلة مهملة ثم تصبح عرضة للتفجر والانطلاق في غير ما يراد لها .

وانطلاقا من سيطرة الباطل على الأرض، هذه السيطرة التي تتمثل في سيطرة الحضارة المادية من خلال كثير من الوسائل والطرق أولها وأهمهاالسيطرة الثقافية والفكرية حى أصبحت مناهج الغرب ونظرياته وأفكارة في السياسة والإقتصاد والاجتماع وأفكارة وعقائده لها الغلبةوالتمكن في كل بقعة من بقاع الأرض حتى داخل بلاد المسلمين حيث وجدت لها الأنصار والمؤيدين ومن ينافحون عنها ويدعون إليها في جد ودأب بل لقد أصبحت مراكز السيطرة أبعد مما نتصور لقد وجدت هناك في عقول أبناء الأمة المراكز الحصينة والقلاع  الشامخة لهذا الفكر المادي والحضارة الغربية.

ولقد عمل الأدب على إيجاد هذه المراكز الفكرية في عقول أبناء الأمة وكان وقوع الأدب العربي المعاصر – بدءا بالتأثر بالحركة الرومانسية الغربية ومرورا بالواقعية والرمزية الغربية المعقدة وصولا إلى الحداثة المعاصرة – تحت سنابك الفكر الغازي في  أشكاله الأدبية من شعر  ورواية وقصة ومسرحية سببا من الأسباب التي خلقت ذلك النمط الذي يقدس حضارة الغرب وفكره وثقافته ولا يرى سببا للنهوض والتقدم ودخول آفاق القرن الحادي والعشرين – كما يرون – إلا بتطبيق فكر الغرب في الصغير والكبير وأخذذ الحضارة الغربية – كما يقول أحد دعاة هذا الفكر – بخيرها وشرها !!.

لهذه الأسباب وغيرها كان وجود الأدب الإسلامي ضرورة ملحة وبديلا أمام زحف الأدب الغربي وتأثيرة المباشر في الأدب العربي المعاصر أو بتعبير أدق على الأدب المكتوب بالعربية في هذا العصر .

ونظرة سريعة إلى ما أُنتج من أدب في هذه الفترة  - منذ بدايات القرن الماضي إلى اليوم – يؤكد ما نذهب إليه فأنت   لا تجد اليوم إلا اليسير من الأدب الذي يمكن أن تنسبه إلى العقل المسلم والوجدان الذي يلتزم نهج الإسلام .. هذا إذا ما قارناه بالكم المنتج من الأدب غير الملتزم بالمنهج الإسلامي.

وهذا بالطبع لا ينفي وجود أدب ترسم خطى الإسلام في هذه الفترة ولكن ما حجم هذا الأدب ومدى انتشاره مقارنا بالأدب الذي صار يقلد كل ناعق يأتي من الغرب المادي .

والسؤال الثاني : ما مدى ماأثر به هذا الأدب الذي صار يعمل على اتخاذ موقف ملتزم بالإسلام إلى جوار ما أثر به الأدب الذي نَهَجَ نَهِِج الغرب ؟

إنك على طول الخط لا تجد من الأدباء العرب من كانت له هذه الرؤية الشاملة الواسعة في النظرة إلى الإسلام كمنهج للحياة اللهم إلا القلة القليلة ظلت بعيدة عن الضوء الإعلامي.

إن وجود الأدب الذي يلتزم الإسلام كمنهج شامل للحياة البشرية الذي يعد ضرورة ملحة حين ننظر لتاريخنا الأدبي المعاصر الذي وقع فريسة للكلمة الغربية كما وقعت أرضنا تحت سيطرة الغرب الزاحف بعدده وعدته وفكره وثقافته   ومنهجه  في الحياة .

وهنا نقف لنستعرض بعض آثار هذا الغزو الثقافي الذي كان الأدب الممر الذي عبر عليه .

 مرحلة ما قبل الرومانسية :

نبدأ فنقول … لكل من الأمم منهج  وعقيدة تتميز بها بين الأمم وفكرة تنافح في سبيلها وتسعى إلى الدعوة إليها والسيطرة من خلالها على الأمم .

وأمة الإسلام كأمة متميزة في عقيدتها وشريعتها كان لابد لها أن تنطلق لافي السيطرة على العالم بل في سبيل دعوة الناس إلى الدخول في دين الحق التزاما بمنهجها الذي رسمه لها كتاب الله عز وجل .

 { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين } يوسف ( 108 ) .

وهذا ما حدث في تلك الفترة الزاهية من حياة هذه الأمة حيث أصبح كل نشاط داخل المجتمع الإسلامي الأول في عهد النبي  - صلى الله عليه وسلم – يلتزم بمنهج الدعوة وأصبح كل نشاط – ويهمنا هنا في هذا المقام نشاط الكلمة- موجها للقيام بهذا الدورإلى جوار كافة الأنشطة داخل المجتمع الإسلامي .

وإبان عهد الخلافة الراشدة كان الحال كذلك حتى لنجد مؤرخي الأدب يميزون بين عصر صدر الإسلام وما سبقه في العصر الجاهلي ويؤكدون أثر الدعوة الجديدة – الإسلام- في الشعر العربي في عصر صدر الإسلام ويستخلصون سمات للشعر في هذا العصر  تميزه عن سابقه إلا أننا ورغم انحراف مسيرة الأدب العربي فيما بعد العصر الإسلامي الأول عن الصورة النموذج التي كان عليها الأدب في صدر الإسلام نجد آثار هذه الدعوة في كل ما أُنتج من أدب عبر هذه العصور .

وإذا تصفحت عصور الأدب وقرأت لكبار الشعراء حتى المجان منهم وأصحاب اللهو والخلاعة تجد لبعضهم قصائد أصدق ما يقال فيها أنها قصائد إسلامية والشواهد على ذلك كثيرة.

هذا إلى جانب كثيرين ممن قصروا شعرهم على الزهد كأبي العتاهية أو على الدعوة والجهاد كابن المبارك وغيرهما كثير .

وإذا وقفنا أمام شاعر كبير كالمتنبي فإنك حين تتصفح ديوانه تعجب لفيض الحكمة التي يتفجر بها  شعره وإن كانت موضوعاته مدحا وهجاءا ورثاءا وما إليها من أغراض الشعر التقليدية .

إلا ان هذه الحكمة ذات الحس الإسلامي تراها متناثرة كاللآلئ في أبيات مفردة دون أن يعرض رؤيا إسلامية شاملة في شعره وقصائده ولنعرض عليك بعضا من هذه الأبيات:

لا تحسب المـجد تمـراً أنت آكله

                          لن تبلغ المجدحتى تلعق الصبـرا

وقوله :

أعز مكان في الدنـاسرج سـابح

                        وخير جلـيس في الزمـان الكتاب

وقوله :

 الـرأي قبل شـجاعة الشجـعان

                       هـو أول وهي المحـل الثـانـي

وقوله :

إذا أنـت أكرمـت الكريم ملكتـه

                        وإن أنـت أكرمـت اللئيم تمـردا

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا

                     مضر كوضع السيف في موضع الندى       

 وهكذا الحال بالنسبة لكثير من شعراء العربية كما أنك واجد في أدبيات العرب النثرية هذه الروح الإسلامية واقرأ – إن شئت – الإخوانيات والرسائل والمقامـات لترى مصداق ما أقـول .

ويستمر الحال على ذلك إلى أن يبدأ الأدب العربي  - والشعر خاصة – في التراجع من الناحية الفنية والجمالية ويدخل في طور التقليد للسابقين من كبار شعراء العربية وأدبائها .

وفي الوقت نفسه الذي يتراجع فيه الأدب تشهد الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية تراجعا ملحوظا ويظل خط الانحدار – رغم وجود بعض القفزات فيه – في الهبوط حتى تفيق الأمة المسلمة على جحافل الغزو الاستعماري في القرن التاسع عشر وبدايات هذا القرن تسيطر على أرضها.

وأمام هذا المأزق الحضاري الذي وقعت فيه الأمة الإسلامية وأمام هذا الخطر الداهم نجد هذه الأمة وقد انقسمت شيعا وأحزابا في نظرتها للغرب المستعمر ما بين رافض لهذا الغزو لا يملك غير الصراخ والعويل وما بين مؤيد ومبارك لا ترى منه إلا التشيع لروح التقليد – والتشبع بها – لمنهج هذه الحضارة المادية كان هذا كله سببا في ضياع وحدة هذه الأمة على المستوى الفكري والسياسي والاجتماعـي .

وانعكس هذا كله على وضع هذه الأمة في الزمان والمكان لقد اصبحت تحيا طورا من أطوار التقليد الذي فرض نفسه على شكل الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية وسرت عدواه إلى مناهج التعليم والتربية والقضاء وصبغ جميع مظاهر الحياة لدى الأمة المسلمة ولقد تم كل ذلك بقوة المستعمر وبمن استطاع أن يعدهم على موائده ويصنعهم على عين منهجه ليصبحوا فيما بعد قادة الأمة في فكرها وسياستها ونظم حياتها الاجتماعية والسياسية ويحركهم من خلف الستار ويعد لهم أدوارهم من وراء الكواليس .

وانعكس ذلك كله – بدوره – على الأدب الذي تنتجه الأمة وبمعنى آخر كان الفكر والأدب الذي برز في هذه الفترة صورة لهذا السقوط الحضاري الذي تعيشه أمة الإسلام .

ولنفصل ذلك الأمر :

بدأت الحياة الأدبية في مطلع القرن العشرين ونهاية القرن التاسع عشر تنزع إلى العودة إلى التراث الأدبي والفكري واللغوي تستقي منه  رؤاها وتنسج على منواله دون تمحيص لهذا التراث الأدبي والشعري واللغوي وتساوى لدى الحركة الأدبية وشعراء هذه الفترة الذين أطلق النقد الأدبي عليهم اسم ” المحافظين “أو ” البيانيين ” أو “الكلاسيكيين ” أقول لقد تساوى لديهم المتنبي وامرؤ القيس وأبو نواس في خمرياته ومجونه مع ابن المبارك وحسان في الزهد والذود عن العقيدة .

وكان شوقي وحافظ وقبلهما البارودي في مصر والرصافي في العراق وغيرهم صورة لهذه العودة غير الممنهجة وغير الواعية إلى التراث الشعري والأدبي في العصور السابقة .

والمثال على ذلك يمكن  أن تراه عند شوقي فبينما تراه يقول عن النبي – صلى الله عليه وسلم - :

ونودي اقـرأتعالـى اللـه قائلهـا

                         لم تتصل قـبل من قيـلت له بفم        

هنـاك أذن للـرحمن فامتـلأت

                         أسـماع مـكة مـن قدسية النغم

تراه يقول عن الخمر :

رمـضان ولـى هـاتها ياساقي

                       مشـتاقة تسعى إلــى المـشتاق

حمـراء أو صفـراء إن كريمها

                       كـالغيد كــل ملـيحة بمــذاق

وبينما تراه يكتب عن سقوط الخلافة تلك القصيدة الرائعة التي مطلعها :

عـادت أغـاني العرس رجع نواح

                     ونعـيت بـين مـعـالـم الأفـراح 

تراه يتغزل ويتحدث عن حفلات تقام هنا وهناك في قصور حكام مصر وبينما تراه ينسج على  خمريات وغزليات أبي نواس تراه يترسم نهج البوصيري في مدائحه للنبي – صلى الله عليه وسلم –

هذا التناقض وكثير مثله كان هو الصفة الغالبة على النهضة الأدبية التي شهدها مطلع  القرن العشرين وأواخر القرن التاسع عشر  في مصر وغيرها من بلدان  الإسلام وهذا يعكس بدوره  التناقض الذي بدأت تحياه الأمة في مجموعها بل إنك واجدصورة هذا الاضطراب الفكري وعدم وضوح الرؤية وشمولها في أدب كل شاعر وروائي ومسرحي على حدته .

وما يقال عن شوقي يقال عن الكثيرين ممن نسجوا على منوال شوقي ثم إذا تحركنا مع الزمن قليلا نجد أن آثار الاستعمار الغربي في  السيطرة الفكرية والسياسية والاجتماعية

 لقد أصبحت الأمة الإسلامية تعاني وترزح تحت وطأة المستعمر الذي خرب ودمر فكرها وأسقط دورها الحضاري الذي نيط بها وانعكس ذلك كله على جميع مناشط الحياة في السياسة والاقتصاد وفي الاجتماع وفي التربية والتعليم وفي النواحي التشريعية والحياتية كلها وأصبحت الحياة الأدبية كإحدى نواحي الحياة الفكرية صورة لهذه الاثار المدمرة .

وأما على الصعيد السياسي فنجد أن الأدب سيعطي صورة لهذه الاضطرابات في الفكر والسياسة ونجد أن من الشعراء من يوالي  الانجليز ويهتف بحياتهم ويرى لهم كل فضل وينسب إليهم كل محمدة ولا يرى ذلك خيانة لدينه و لا لعقيدته .

ومن هؤلاء الشاعران : ” ولي الدين يكن ” و ” نسيم ” اللذان ناصبا السلطة العثمانية العداء وانضما إلى الأحزاب المناوئة للسلطان العثماني مثل حزب ” تركيا الفتاة ” و ” الاتحاد والترقي ” حتى أن ولي الدين يكن يكتب في مقال عن الصوم كفريضة إسلامية فيتحدث عنه حديث المستهزئ الذي لا يتورع عن المجاهرة بالمعصية والتهكم بأحكام الإسلام وشرائعه وشعائره .

المزيد


معالم على طريق الأدب الإسلامي3/3

يونيو 11th, 2008 كتبها طاهر العتبانى نشر في , نقد أدبى

الروح الإسلامية في العمل الأدبي

قد يتصور بعضنا أن الأدب الإسلامي - قصة أو رواية أو مسرحية -  يجب أن تكون موضوعاته ما ورد في المنهج الإسلامي من مفاهيم وعقائد وعبادات وشرائع ونماذج إسلامية تاريخية كشخصيات الصحابة والتابعين وما يتبع ذلك من أحداث إسلامية أو مناسبات كذكرى الهجرة والإسراء والغزوات التي خاضها النبي –   وصحابته … وما إلى ذلك من مفاهيم  إسلامية مجردة ومعان دينية خالصة دون أن يتطرق ذلك الأدب إلى الحديث عن الهموم الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية والإنسانية بشكل عام وبدون أن يصور الشر الذي وقعت فيه مجتمعات العالم اليوم إسلامية كانت أو غير إسلامية .

والحق – كما نراه في نظرية الأدب الإسلامي- أن هذا الذي ذكر وإن كان جانبا من جوانب الموضوعات التي يمكن للأديب المسلم أن يطرحها ،  فليس ذلك هو ما نريده فقط للأدب الإسلامي .

إن الأدب الإسلامي يجب أن ينغرس في هموم الواقع الذي يحياه المسلمون على المستوى الفردي والجماعي والعالمي ، ويمكن أن يكون موضوعه أي موضوع في أي جانب من جوانب الحياة البشرية وكذلك الكون كله بسمائه وأرضه وآفاقه وبعالميه : الغيب والشهادة .. كل ذلك مما يجب على الأدب الإسلامي أن يتناوله ويضرب فيه بسهم .

إنه كما يكون تصويراً للخير والفضيلة وتحبيبها إلى النفوس ، فكذلك يكون تصويراً للرذيلة والتنفير منها وإظهارها في صورتها القبيحة التي ترفضها الفطر السوية وتأباها النفوس المستقيمة .

إن إسلامية الأدب لا تعني محاصرة الأديب فيما يكتب ، وتقييد ما يختاره من موضوعات ولكن إسلامية الأدب تعني هيمنة روح الإسلام على العمل الأدبي في جملته وتفصيلاته ، بحيث يترك في النهاية الأثر الإسلامي المطلوب في نفس القارئ ، ولقد تطالعنا كثير من الصحف والمجلات الإسلامية بقصائد عن الإسلام تحت مسمى الشعر الإسلامي ، تتناول حادث  الهجرة  أو حادث الإسراء والمعراج ، أو ذكرى بدر … أو غيرها من هذه الموضوعات ، ويعالجها كتابُها معالجة تاريخية بحتة ، تشعر وأنت تقرؤها أن كاتبها لا يعيش في هذا العصر الذي نحياه بقضاياه وتصوراته ومتغيراته وأحداثه ومشاكله التي يهمنا كمسلمين من جوانبها الشيء الكثير .

لماذا لا يكون الحديث عن الإسراء مدخلاً للحديث عن القدس والمشكلة الفلسطينية كإحدى مشاكل المسلمين وقضاياهم الراهنة مثلاً ؟ … إن المرجو ممن يعالج مثل هذه الموضوعات الإسلامية من الأدباء أن ينتقل بها من مفاهيمها الإسلامية المجردة ليسلط الضوء على الواقع الإسلامي المتدهور المتخلف الذي يرين على العالم الإسلامي اليوم عرضاً ومعالجة .

إنه لا يذكرنا بهذه الأحداث في صورة شعرية، وصور أدبية ولكنه يجب أن ينقلنا إلى مُعايشة واقعنا اليوم من خلالها في الصغيرة والكبيرة من أمور حياتنا ، إن الأدب الإسلامي مطالب  أن ينقل لنا الروح الإسلامية في كل ما يطرحه من موضوعات ، وليختر بعد ذلك من الموضوعات ما يشاء ، وليكن علاج هذه القضية المطروحة من خلال المنظور الإسلامي والتصور الإسلامي الصحيح .

فإذا كانت روح العمل الإسلامي الأدبي روحا إسلاميةً يمكن استشعارها من خلال الاقتراب من النص الأدبي والإحساس بها في كل تفاصيله وجزئياته : فإن الكون كله بمجاله الواسع ، والحياة الاجتماعية بكل تفصيلاتها وبما فيها من خير و شر … كل ذلك يمكن أن يكون موضوعاً للأدب الإسلامي .

ولندلل على ذلك :

في وصف الجبل لابن خفاجة الأندلسي روحٌ إسلامية تطالعك في موضوع وصفي بحت ، ولكنه ينتقل بهذا الغرض إلى رحاب التصور الإسلامي الفسيح ويتخذ من ذلك فرصة عظيمة للتأمل والتفكير في الكون الفسيح والحياة والموت والزمن وتجاربه المختلفة .

يقول ابن خفاجة الأندلسي في هذه  القصيدة :

أصخت إليه وهو أخرس صامت

                              فحدثني ليل السرى بالعجائب

وقال ألا كم كنت ملجأ قاتل

                                   وموطن أواه تبتل تائب

 وكم مربى من مدلج ومؤوب

                                وقال بظلي من مطى وراكب 

 ولاطم من نكب الرياح معاطفي

                           وزاهم من خضر البحار غواربي

فما كان إلا أن طوتهم يد الردى

      

المزيد


معالم على طريق الأدب الإسلامي 2/3

مايو 30th, 2008 كتبها طاهر العتبانى نشر في , نقد أدبى

معالم على طريق الأدب الإسلامي

المرجعية التعبيرية والدلالية

 

. -لا شك أن كل عملٍ أدبي ينتمي إلى فكر معين أو تصور محدد يحمل في مضامينه ونسيجه الداخلي سماتِ هذا الفكر وذلك التصور الذي ينتمي إليه ، لا مجرد الفكرة التي يعبر عنها والدلالات التي يشير إليها . ولقد رأينا كيف أن النموذج الغربي في القصيدة والقصة والمسرحية والرواية حمل إلى جانب الفكرة التي يحملها والدلالة التي يعبر عنها ويريد إيصالها للقارئ ، حمل معها إلى جانب ذلك في نسيجه الداخلي من أدوات التعبير المختلفة من الاستعارات والمجازات والصور التعبيرية .. قسطاً وفيراً من الصور والمجازات والإشارات التي تضرب في عمق التاريخ الغربي منذ العهد اليوناني وحتى العهد الروماني النصراني ، وتمتح من قيمه التاريخية والفلسفية والمثيولوجية . لقد رأينا كيف أن (الفردوس المفقود) (لميلتون) ، و (كوميديا) دانتي ، ومسرحيات شكسبير ، والشعر الرومانسي … وغير ذلك ، رأينا كيف حملت هذه الأعمال الأدبية الكبرى روحاً نصرانية ، واتخذت من الكتاب المقدس (الأسفار والأناجيل المحرفة) ، وكذلك التاريخ الأوروبي منذ العهد اليوناني بأساطيره وآلهته المتعددة ، التي مثلت العقائد الوثنية في ذلك العهد .. إطاراً مرجعيّاً انطلقت منه ، لا في موضوعات هذه الأعمال فحسب ، بل كذلك في بنائها الداخلي وصورها التعبيرية مما يمكن أن نسمّيه : المرجعية التعبيرية ، والتصويرية ، والدلالية . ثم انتقل هذا التأثير إلى الأدب العربي المعاصر ، فوجدنا الشعراء والمسرحيين والروائيين يعتمدون كما اعتمد أولئك الغربيون على التاريخ اليوناني بأساطيره ووثنياته ، وكذلك التاريخ الروماني والأوروبي بماديته ، بشكل عام ، كمرجعية تعبيرية وتصويرية ودلالية ، فشاع في الشعر العربي المعاصر استخدام الأسطورة للتعبير عن الفكرة وتصوير القضية التي يراد طرحها على المتلقي . وكمثال مبكر على ما نقول : يمكن مراجعة بعض قصائد الشابي ، وعلي محمود طه ، وعبد الرحمن شكري .. على سبيل المثال ، لنرى كيف استخدم هؤلاء هذه الأساطير في أشعارهم منذ وقتٍ مبكر . فعند علي محمود طه مثلاً نرى كيف سيطر عليه جو الأسطورة اليونانية مما ذكر طرفاً منه في مقدمة ديوانه ( أرواح وأشباح) . وفي الأعمال المسرحية المبكرة رأينا كيف اتخذ توفيق الحكيم من أسطورة (جالاتيا ) و ( بجماليون) مرجعية تعبيرية ، ودلالية لعرض فكرة قلق الفنان أو الأديب إزاء فنه ، وكذلك غيرها من مسرحياته . ثم ما انتصف القرن الحالي حتى شاع هذا الأمر في أدب الشعراء والكتاب والمسرحيين والروائيين العرب ، وأصبح شعر ما بعد العقد السادس من هذا القرن إلى يومنا هذا تهيمن على صوره ومرجعيته التعبيرية أساطير اليونان والرومان وتاريخهم ، وكذلك أساطير الفترات السابقة للعصر الإسلامي ، كأساطير بلاد الرافدين والآشوريين والفراعنة .. وغيرها من الفترات التي انقطعت حضاريّاً بعد ظهور الإسلام ، مثل أسطورة (عشتار) في العراق ، وأمثالها في العصر الفرعوني ، كقصة (إيزيس وأوزوريس) الفرعونية .. وغيرها . كل هذا سيطر على الأدب العربي المعاصر ، وأصبح يشكل مرجعيته التعبيرية والتصويرية والدلالية . ونذكر على سبيل المثال عدداً من أولئك الذين شاع في شعرهم الاتكاء على مثل ذلك من أساطير ووثنيات وميثولوجيات كإطار مرجعي وتعبيري للصورة ، والدلالة ، بل والفكر . من هؤلاء : السياب ، ونازك ، والبياتي من العراق ، وما تلاهم من أجيال الحداثة ، وفي مصر : صلاح عبد الصبور ، وأحمد عبد المعطي حجازي ، وبعض أشعار أمل دنقل ، وفي سوريا وبلاد الشام : أدونيس ، ومحمود درويش ، وسعيد عقل ، ونزار قباني .. وغيرهم ، وفي السودان : محمد الفيتوري وغيره . ولم يعد الأمر يقتصر على الاستعانة في التعبير بعناصر مستمدة من هذه الأساطير وما تدور حوله من الحديث حول الآلهة ! وصراعها مع بعضها ومع بني البشر ، بل إن الأمر تعدى ذلك كله لتصبح الأفكار النصرانية كفكرة الخطيئة والصلب وفكرة الخلاص ، والاستهزاء بلفظ الإله فَيَرِدُ في أي سياق وفي أي نمط تعبيري يقضي على قداسة هذه الكلمة ومفهومها في فكر المسلم وعقيدته ، أصبح كل ذلك أدوات تعبيرية وتصويرية ، حتى لقد وصل الأمر بأحد نقاد الحداثة أن يقول : (الحداثة انقطاع معرفي ؛ ذلك أن مصادرها المعرفية لا تكمن في المصادر المعرفية للتراث في كتب ابن خلدون الأربعة أو اللغة المؤسساتية أو الفكر الديني ، وكون الله مركز الوجود ، الحداثة انقطاع لأن مصادرها المعرفية هي اللغة البكر والفكر العلماني ، وكون الإنسان مركز الوجود . الحداثة ليست انقطاعاً نسبيّاً فقط ، بل هي أعنف شرخٍ يضرب الثقافة العربية في تاريخها الطويل ، ليس في الثقافة العربية ما يعادل هذا الانشراخ المعرفي والروحي والشعوري الذي يكاد يكون انبتاتاً لا انقطاعاً وانفصالاً عن الجذور ، لا يبقى فيه من رابط سوى اللغة بأكثر دلالتها أوليةً ، أي بكونها قاموساً مشتركاً للتواصل) [1] . هذه هي الصورة التي وصل إليها فكر الحداثيين وتصورهم الفني والأدبي والمعرفي لتراثنا وتاريخنا وفكرنا الإسلامي واللغة العربية التي هي الوعاء الذي يحمل ذلك كله ، ولقد جاء شعر الحداثيين مؤازراً لهذه التصورات مُطَبِّقاً لها ، وأصبح الاستهزاء بكل ما يرمز إلى الإسلام والدين في نفوس أبناء الأمة هدفاً رئيساً لكتابات الحداثيين : يقول عبد المنعم رمضان وهو من أجيال الحداثة المصرية في العقد الثامن في ديوان له بعنوان (الغبار) ، يقول تحت عنوان (جسد) :

جسد يدخل في جسدٍ يتوالد هذا الرحم الواضح مثل الأرض يصير مساحة أغرابٍ أخرى تتحاذى والناس هنا يمشون على الأعشاب الناس هنا يقصون الله ( ! ) عن الجمرات الدافئة المسكونة الناس هنا أوردةٌ تطفو ساعة يطلق فيها اليشمك والجنيّ وبارحة النسيان [2]

 وأستطيع أن أقول : إن هذا الديوان وأمثاله كثير يكاد يغص بمثل هذه الترهات والأباطيل ، التي أعجب كيف تسمى شعراً ؟ ! ، وكيف تنشرها مؤسسات فكرية وثقافية رسمية في بلادنا ؟ [3] . ويمكن مراجعة دواوين وإصدارات وقصائد كلٍّ من رفعت سلام ، وحلمي سالم ، وحسن طلب ، ومحمد أبو دومة .. لنقف على كثير من الغثاء ، والشذوذ ، والانحراف الفكري والفني . كما يمكن مراجعة ما تنشره حالياً مجلة (إبداع) المصرية وغيرها من المجلات الأدبية المتخصصة في أقطار العالم العربي .

 ما الدور المطلوب إذن  : ماذا على الشاعر المسلم والروائي المسلم والمسرحي المسلم إزاء ذلك كله ؟ . إن على الأديب المسلم مهمةً مضاعفةً في عمله الفني ، إن عليه أن يمتد ببصره وبصيرته الفنية إلى مصادره المعرفية والثقافية الإسلامية ، وأولها : القرآن ، وثانيها : السنة ، وثالثها : تاريخ الإسلام وسير عظمائه وأبطاله ووقائعه وأحداثه ؛ ليتخذ من هذا كله وسيلةً تعبيرية ومرجعية دلالية ، بحيث يستوحي ذلك كله ويستلهمه في أعماله الأدبية ، فبلاغة القرآن ، وصوره ، وتعابيره ، وقصصه ، وما يدخل في تضاع

المزيد


معالم على طريق الأدب الإسلامي 1/3

مايو 30th, 2008 كتبها طاهر العتبانى نشر في , نقد أدبى

معالم على طريق الأدب الإسلامي

1/3

بقلم : طاهر العتباني

التنظير والنموذج :
عندما ظهرت الدعوة إلى الأدب الإسلامي في العصر الحديث وقف منها المثقفون العرب والمسلمون مواقف متعددة متباينة ، فمنهم من احتفى بهذا المصطلح الجديد احتفاءً جمّاً ، وتحمس له غاية الحماس دون أن يكون مع ذلك الحماس رؤية متكاملة تقوم على أسس واضحة وتتبنى تصوراً شاملاً لهذا المصطلح ، ومنهم من رفضه بدعوى أن الأدب العربي كله منذ البعثة النبوية إلى اليوم أدب إسلامي ، يُنتجهُ في معظمه مسلمون ، فلا داعي إذن لهذا التمييز .
ولكن طائفةً من شداة الأدب ونقاده نظرت لهذا المصطلح نظرةً موضوعيةً هادئةً ، تقوم على أسس واضحةٍ ومعايير مستقيم .
أول هذه المعايير والأسس : أن المذاهب الفكرية المختلفة التي كثرت في القرنين الأخيرين في أوروبا قد اصطنعت لنفسها مذاهب أدبيةً ، تتفرع عن المذاهب الفكرية التي تدعو إليها وتتبناها ، فكانت : الكلاسيكية ، والكلاسيكية الجديدة ، والرومانسية ، والواقعية ، والرمزية ، والسيريالية ، والبرناسية ، والوجودية… وغيرها : مسمياتٍ لمدارس وتيارات فكرية أدبية ، هي في حقيقتها الثوب الأدبي لتيارات ومذاهب فكرية : كالفكر الذي ساد عصر النهضة ، والفكر الرومانسي ، والفكر الاشتراكي والماركسي … وغيرها من الأفكار .
لقد حاول كل من هذه المذاهب أن يضع تصوراً للكون والحياة والإنسان ، هو بمثابة القاعدة ، ثم تتفرع عنه عن ذلك التصور نظرية في السياسة ، وأخرى في الاقتصاد ، وثالثة في الاجتماع .. إلى غير ذلك من جوانب الحياة المختلفة ، ومن ذلك : الأدب وفنونه .
والمثال على ذلك واضح : حيث كانت الرومانسية مثلاً ترى في الطبيعة الإله المعبود ! ، وكذلك كانت الشيوعية والاشتراكية وما تفرع عنها من الأدب الذي تسمّى باسم الأدب الواقعي ، وما قبلها من التيارات والمذاهب تتخذ لنفسها آلهةً مختلفة ، حتى وصل الأمر في نهاية المطاف بالفكر الشيوعي أنه لا يعترف بأيٍّ من الآلهة السابقة ، ولكنه يرى أن الحياة لايحكمها إلا قانون المادة الصماء ، بحتميته السياسية ، والاقتصادية ، والتاريخية ، والاجتماعية .. وغيرها من الحتميات .
لقد رأى ذلك الفريق الثالث أنه مادام كل مذهبٍ فكري الذي هو عند معتنقه بمثابة دين وعقيدة ينتج أدباً ينسجم مع مبادئه ، ويدعو إليها ، ويكوّن لنفسه معايير وقيماً فنية وجمالية خاصة ، فلا ضير إذن بل هو واجب أن يكون للمنهج الإسلامي أدبه المتميز الذي يحمل رسالته ويدعو إلى قيمه ومفاهيمه ، ويتعامل مع الكون والحياة والإنسان بناءً على التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان .
ثاني هذه المعايير : أن الإسلام بوصفه رسالة شاملة للحياة البشرية والأدب أحد جوانب هذه الحياة لم يهمل هذه الناحية المهمة في حياة الإنسان ، وهي الناحية التعبيرية عن المشاعر والعواطف والآراء والأفكار التي يحملها المسلم ويدعو إليها ، ولكن الإسلام وضع المعايير والضوابط والأسس لهذا الجانب في حياة الإنسان المسلم ، وجعلهُ وهو يَشْعرُ ، ويُعبِّر ، ويكتب لا يخرج عن كونه مسلماً يتعبد إلى الله (تعالى) بفكره ومشاعره وتعبيره ، ولا عجب ؛ فهذا حسان بن ثابت (رضي الله عنه) وهو الشاعر في الجاهلية والإسلام يضفي الإسلام على شعره موضوعاته وصوره ، وتعبيراته ، والقضايا التي يدافع عنها يضفي عليها سمتاً إسلاميّاً واضحاً ، ليقدّم بذلك مع غيره من شعراء العهد النبوي نموذجاً للأدب الإسلامي في ذلك العصر .
ثالث هذه المعايير : أن المنهج الإسلامي يبدأ التغيير من النفس الإنسانية بتثقيفها وتربيتها على قيمه ومبادئه ، ويصوغ من هذه النفس عالماً ترسّخَتْ فيه هذه القيم ، وتغلغلتْ في حواشيه وخفاياه ؛ فلا بد إذن أن يأتي تعبيرها عن الكون والحياة والإنسان تعبيراً إسلاميّاً ، سواء أكان ذلك : شعراً ، أو قصةً ، أو مسرحية ،أو خاطرة ، أو مقالة .
رابع هذه المعايير : أن المدارس الأدبية المختلفة بدءاً بالكلاسيكية والرومانسية ، وانتهاءً بغيرها من المدارس الأدبية قد غرست في تربتنا الأدبية مبادئ وقيماً فكرية وربما فنية لا تتفق مع منهجنا الإسلامي الذي هو معيار الحياة في كل جانب من جوانبها أو هكذا ينبغي أن يكون ؛ مما أفسد أذواقنا ، وأحدث في شخصيتنا الإسلامية والأدبية نوعاً من التناقض ، أصبح من المحتم معه أن نعود إلى منهجنا الإسلامي الشامل ، نستمد منه تصورنا لأدبنا الذي يجب أن يكون هو وغيره من جوانب الحياة إسلاميّاً خالصاً ، هذا فضلاً عمّا ران على أدبنا شعراً ونثراً عبر تاريخنا الطويل من ركامٍ هائل من الأفكار والمعاني والمشاعر والقيم التي بعدت كثيراً عن التصور الإسلامي النقي للكون والحياة والإنسان ، فأصبح يلزمنا أن نعيد النظر في ذلك الأدب عبر تاريخه الطويل بناءً على تصورنا للأدب الإسلامي ونظريته الأصيلة .
خامس هذه المعايير : أن الصحوة الإسلامية التي تشهدها ديار الإسلام اليوم ، بل وغير دياره ، لا بد لها من الوقود الروحي والتعبيري والأدبي الذي يغذوها ويمدها بالطاقة التي تدفعها ، ويجلو أمامها المفاهيم الإسلامية في ثوبٍ قشيب وعبارة رائقة ، وتعبير موحٍ جميل ، وليس أفضل في ذلك من تبني نظرية إسلامية للأدب ، تأخذ على عاتقها تشكيل هذه البراعم التي نبتت في أرض الإسلام ، والتي تود لو عادت الأمة إلى سابق عهدها قيماً وأخلاقاً وتصوراً وقيادةً للحياة . سادس هذه المعايير : أن الأدب الإسلامي هو أحد العوامل المهمة في تجلية مفاهيم الإسلام وتوضحيها في عالم يمتلئ بالتيارات والمذاهب التي أصبحت تتترس خلف العبارة الموحية والتعبير الفني الجميل في بث أفكارها وتوصيل مفاهيمها وتنشئة الأجيال على ذلك . وحتى لا يقع الكثير من أبناء الأمة وهو ما حدث بالفعل تحت تأثير الفكر الغازي في ثوب الأدب شعراً ، وروايةً ، وقصةً ، ومسرحيةً ، ودراسةً .. وغير ذلك من ألوان التعبير وفنونه ، فإنه لا بد من وجود أدبٍ إسلامي يكون بديلاً عن ذلك كله ، وفي الوقت نفسه : بناءً لجانب مهم من جوانب حياتنا الإسلامية التي لا نستغني فيها عن البيان والتبيين .
سابع هذه المعايير : أن للشعوب الإسلامية الناطقة بغير العربية آداباً ، سواء أكان ذلك شعراً أو نثراً ، وهذه الآداب تتسم في كثير منها بسمات إسلامية خالصة وتعالج الموضوعات التي تطرحها من خلال التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان ، وهنا لا يصبح الأدب العربي على فرض موافقته كله للتصور الإسلامي ، وهو فرض غير صحيح هو الأدب الوحيد الذي يتسم بسمة الإسلامية ، بل لا بد من النظر بعين الاعتبار إلى هذه الآداب ، وأقرب مثال على ذلك : شعر (إقبال) المكتوب بغير العربية[*] .
كل هذه المعايير وغيرها كانت وراء تمسك أولئك النفر بهذا المصطلح الجديد والعمل على ترسيخ مفاهيمه في عالمنا الأدبي اليوم .
ومن ثم : ظهرت الدراسات المتعددة وإن كانت قليلةً قياساً إلى غيرها من الدراسات الأدبية البعيدة عن هذا المصطلح وظهرت كذلك النماذج الأدبية التي تتبنى نظرةً إسلامية للأدب : شعراً ، أو قصة ، أو رواية ، أو مسرحية .. بغض النظر عن مدى تحقيقها لما قد تبنته .
ومع اتساع قاعدة الأدب الإسلامي اليوم ، وظهور جماعات أدبية تتبناه ومجلات وصحف متخصصة تهتم بنشر نصوصه ونماذجه والحديث حول قضاياه وأطاريحه وإن كانت قليلة جدّاً مع ذلك : فلا يزال الأدب الإسلامي المنتج على الساحة اليوم قليلاً ، خصوصاً إذا تصورنا أن الأدب الذي ينتج على أيدي كتاب ومفكرين مسلمين يجب أن يعبر عن هويتهم وانتمائهم والتزامهم بهذا الدين .
كذلك : فلا يزال التعريف بقضاياه ورواده ونماذجه ونصوصه قليلاً .
وإذا كان هناك قصور لا يزال ظاهراً في تكوين نظرية إسلامية للأدب إلا من بعض المحاولات الفردية فإن ذلك مرده فيما أتصور يرجع إلى أن التنظير يجب أن يبدأ من الوقوف أمام النماذج الأدبية الإسلامية الجيدة ، واستنطاقها ، والبحث في خصائصها وسماتها ، بدلاً من البحث النظري الذي يقوم على الفرضيات المسبقة دون مواجهة النصوص والكشف عن عطاءاتها الخصبة ، وهذا بالطبع لا يعني التقليل من أهمية البحوث النظرية التي تؤصل وتؤطر للأدب الإسلامي ، وتستنبط مراميه وغاياته من خلال البحث في أصول المنهج الإسلامي .
كما أن جزءاً من القصور ربّما يكون مرده إلى أننا لا نريد أن نعترف للنموذج الأدبي الجيد ، الذي لا يتناقض مع مفاهيم الإسلام بأنه يمكن أن يقدم ما يُنتفع به في صياغة نظرية إسلامية للأدب .
إن كثيراً ممن ينظّرون للأدب الإسلامي فيما هو ملاحظ لا تمتد أيديهم إلى نصوص ونماذج قد تكون جيدة جدّاً وتضيف جديداً لكن أصحابها لايرفعون لافتة الأدب الإسلامي واضحةً صريحة ، في حين أن نصوصهم أو كثيراً منها تنسجم مع التصور الإسلامي للأدب انسجاماً ، ولا عجب في هذا الكلام ، ونحن نعرف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يستنشد أصحابه من شعر أمية بن أبي الصلت ، الذي آمن شعره وكفر قلبه .
إذن : لكي نتمكن من صياغة نظرية أدبية إسلامية على مستوى المنهج الإسلامي الذي ستعبر عنه النظرية ، وعلى مستوى هذا العصر الذي نعيش فيه :
فلا بد أن يبدأ البحث من اكتشاف النموذج الذي يقدم ويضيف ، أيّاً كان صاحبه ،
ومن هنا : فنحن ملزمون أن نعيد قراءة تراثنا الأدبي والشعري والتعبيري من جديد ؛ لكي نعيد اكتشاف النماذج ، ومن ثم : استنطاقها لاستخلاص السمات والمعالم لهذا الأدب ، بل إن هذا يستدعي إعادة تجميع هذا التراث والتعرف على ما أهمل منه ؛ حتى نستطيع إعادة النظر في نتائج كثير من البحوث والدراسات التي أظهرت أدبنا العربي في ثوبٍ بعيد عن الإسلام وقيمه ومفاهيمه .
إن كثيراً من البحوث التي تعرضت للأدب الإسلامي قد وقفت موقفاً متطرفاً من هذا الأدب ، إما إلى الإفراط في وصفه بصفة الإسلامية في كل نواحيه وجوانبه ، وإما التفريط فيه جملة بدعوى أن أقل القليل منه هو الذي يتوافق مع منهج الأدب الإسلامي ، وكلا الرأيين في نظري غير صحيح .
من هنا : يصبح التفاعل المبدع بين الاستنباطات النظرية والنماذج المنتجة أو تلك التي أعيد اكتشافها وقراءتها هو الطريق الذي لا بد منه لترسيخ هذه النظرية في حياتنا الأدبية والفكرية .
كما أن هذه النظرة لن تمنعنا من الاستفادة من كل نصٍّ أو نموذج يُعاد اكتشافه وقراءته ، سواءٌ أوافق الأدب الإسلامي في رؤيته أو خالفه ، فما بين

المزيد