الرؤيةالفكرية عند صلاح عبد الصبور

كتبهاطاهر العتبانى ، في 24 أكتوبر 2008 الساعة: 16:05 م

الرؤية الفكرية عند صلاح عبد الصبور

  

 

  كان دخولي إلى مرحلة التصور الإسلامي للأدب أعظم تحول في حياتي الأدبية و الفكرية وكنت قبلها قد وقفت قبلها طويلا أمام الشعر العربي رواده وفحوله من المعاصرين والقدماء وفي المرحلة التي كنت مهتما فيها بقراءة شعراء المدرسة الحديثة التي دخلت بالشعر العربي مرحلة التفعيلة في ناحيته الشكلية ومرحلة الحداثة – كما يقولون – في رؤياه الفكرية والفنية وقفت وقفة طويلة أمام الشاعر صلاح عبد الصبور الذي لا أدري هل كان السبب في اهتمامي به ما ناله من شهرة واسعة بين شعراء هذه المرحلة في مصر وغيرها أم أنه استحق بالفعل هذا الاهتمام مني حيث وجدت فيه إشباعا لنهمي الشعري والمعرفي الذي أعترف أن له منها نصيبا كبيرا وحظا وافرا .

     لقد كان من أشد ما جذبني إليه فيما أعتقد في هذه المرحلة المبكرة من حياتي الشعرية – أوائل العشرين من عمري – وخصوصا بعد ما قرأت قدرا لا بأس به من أدب الجاهليين والإسلاميين والأمويين والعباسيين وما حول هذه الحقب من تاريخ وثقافة وبعد ما واصلت القراءة إلى العصر الحديث بدءً من شوقي والبارودي وحافظ وانتهاء بآخر موجات الرومانسيين مرورا بكبرائها أمثال العقاد وناجي وعلي محمود طه وأمثالهم كالشابي والهمشري ومحمود حسن إسماعيل .

أقول كان أشد ما جذبني إلى قراءة صلاح عبد الصور مسرحياته الخمس التي كنت أستمتع بقراءة الواحدة منها تلو الأخرى مرة بعد مرة وأحس ما بلغ فيها صلاح عبد الصبور من تطور في الأداء المسرحي الشعري بعد الثلاثة الكبار الأول – شوقي وعزيز أباظة وعبد الرحمن الشرقاوي-   

لقد كنت في هذه الفترة لا أعرف من الأدب إلا أنه أدب ولا أحاول أن أفهم منه شيئا فوق ما تعطيه قراءته من متعة فنية وجمالية وما تزودني به هذه القراءة من الخبرة المعرفية والفنية دون النظر فيها إلى ما هو صحيح أو خاطئ أو إلى ما هو قبيح وجميل  - كما يقول صلاح عبد الصبور نفسه – ولم أكن في هذا الوقت أمتلك المقياس المعرفي والثقافي الذي يرتكز على تصور محدد ومنظم للكون والحياة والإنسان وإن لم أعدم – مع ذلك – الإحساس الفطري العميق بالمفهوم الإسلامي للكون والحياة والإنسان ومن ذلك الأدب ذلك الإحساس الذي يحوجه إلى حد بعيد بناء ثقافي ومعرفي يرتكز على أسس فكرية إسلامية واضحة المعالم وملامح متفرقة   -  وإن كانت كثيرة – من الفكر الغربي وفلسفاته ونظرياته وجوانب من تاريخه وحضارته .و بعد ما وقفت على كتابات كثير من المفكرين الإسلاميين المعاصرين ورجعت إلى المراجع الثقافية الإسلامية القديمة  ومن ذلك كتب التفسير والحديث والفقه والتاريخ والسير والأخبار استطعت أن أجد الميزان المعرفي والثقافي لكل رأي أقرؤه وكل فكرة ألم بها حتى وإن لم أستطع تقويمها ونقدها ورؤيتها رؤية كاملة فإني لا أعدم أسسا للبحث والمعرفة والوقوف على صحة هذه الأفكار وخطئها وبعدها أو قربها من التصور الإسلامي ولا أعدم كذلك أسسا للإطار المرجعي الفكري بها يمكن الكشف عن حقائق ما أقرأ واتخاذ موقف منه .

وفي هذه الفترة انكببت على كتابات الإسلاميين المعاصرين من المفكرين والعلماء لأجد فيها غناء فكريا أعظم ما فيه أنه رد إلى قلبي طمأنينة كانت قد فارقته وسكينة كانت قد أصبحت من ذكرياته وأزالت حيرة كانت قد استقرت فيه.

وفي هذه الفترة أيضا تعرفت على آخرين من الشعراء ربما لم يشبعوا نهمي الفني كما وجدت عند غيرهم وإن كنت قد أحسست بما لديهم من تصور مختلف للكون والحياة و الإنسان وأنهم ينطلقون من أسس فكرية غير تلك التي وجدتها عند صلاح عبد الصبور وأضرابه من شعراء الحداثة مثل سعيد عقل ونزار قباني وأدونيس وخليل حاوي وغيرهم .

    وكلما عاودت القراءة لبعض ما يعجبني ويروقني عند صلاح عبد الصبور وغيره اكتشفت أني أصبح لي موقف مغاير من كل ما أقرؤه لهم .

    ولقد كنت في المرات الأولى أجمع في قراءتي له بين ما كتبه من شعر في دواوينه ومسرحياته وما خطه من مقالات جمعت في كتب أو نشرت في صحف حول الأدب والفكر والفن والسياسة والتاريخ وغير ذلك من الموضوعات وأصبحت عندما أعود إليها أجدني أكاد أختلف معه حتى التضاد والتناقض .

   وهنا أنقل بعض كلامه يقول فيه ” فأنا أحب لمن يأتي بعدي أن يقرءوني مفتشين عن عيوبي وأن يحاولوا أن يتجاوزوني أنا وجيلي” وبمنطق القراءة التي تفتش وتمحص نحاول القراءة.  يرى صلاح عبد الصبور في مقال له حول تجربته الشعرية وهو عبارة عن محاضرة ألقاها صلاح عبد الصبور في الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1979م ونشرت في مجلة فصول – أكتوبر 1981 - أن إضافته للشعر العربي تمثلت في ثلاثة أشياء هي:

1 )  اصطناع لهجة الحديث الشخصي الحميم في القصيدة الشعرية على نحو أفقد القصيدة العربية كثيرا من خطابيتها الزائفة.

2 ) إضافة عنصر الفكر إلى العمل الفني بحيث يخرج القارئ له بأن له وجهة نظر في الحياة والكون.

 3 ) إضافته في المسرح الشعري .

وهذا الأخير صحيح، فمما لا شك فيه أن صلاح عبد الصبور طوّر الأداء الشعري المسرحي تطويرا يحسب له وقد نعود في مكان آخر لمناقشة هذا التطوير.

  أما الأمران - الأول والثاني – وهما إضافته اصطناع لهجة الحديث الشخصي الحميم في القصيدة الشعرية وإضافة عنصر الفكر إلى العمل الفني فهو ما لا نسلم له به  فالشعر العربي وإن اتسم بالخطابية على مدار تاريخه الطويل إلا أن شعراء المدرسة الرومانسية على وجه الخصوص كان لهم الدور الأكبر في مهد الطريق وتعبيده والسير عليه في هذا الاتجاه وهو الخروج بالقصيدة العربية من خطابيتها العالية – لا الزائفة – وفرق كبير بين الأمرين.

 ثم إننا لانعدم من شعراء العربية القدامى – كابن الرومي والمعري – من اتسم شعره بهذه الخاصية التي ابتعدت به كثيرا عن تلك الخطابية وصلاح عبد الصبور يؤكد نفسه ذلك في حديثه عن ابن الرومي وعن ذي الرمة وعن المنخل اليشكري وعن المعري في كتابه الطريف “قراءة جديدة لشعرنا القديم ” ويقف على نماذج أخـص خـصائصها أنـها جمعت بين هذين الأمرين : خفة حدة اللهجة الخطابية بدرجة كبير هو ما ينقل – كما يقول – جو القصيدة إلى التأمل والدعابة والطرفة والقص كما عند عمر بن أبي ربيعة وغيره.

ولعلنا لو حاولنا التفتيش عن نماذج من الشعر العربي القديم لوقفنا على كثير من هذه النماذج التي احتفى بها وبمثلها صلاح عبد الصبور نفسه كاحتفائه الشديد ببعض قصائد ابن الرومي والمعري.

أما الأمر الثاني الذي يدعيه صلاح عبد الصبور لشعره فيه أنه تميز بما حمل من فكر خلف أبياته وسطوره.

وبداية نقول إن لكل شاعر وأديب فكرا ما يريد من خلال شعره وأدبه أن يصل إلى القارئ به.

أما الذي يختلف فهو نوع هذا الفكر فقد يوجد لدى شاعر من الشعراء كميلتون – في الفردوس المفقود-  ما ليس عند دانتي – في الكوميديا الإلهية – وما ليس عند شكسبير في مسرحياته وكذلك القول في شعرنا العربي.

إن شعرنا العربي لم يخل في حقبة من حقيه من فكر ما أو فلسفة ما قد تختلف هذه الفلسفة وهذا الفكر وهذا التصور من شاعر لآخر ومن جيل من الشعراء إلى آخرين ولكننا لا نعدمها في كل عمل أدبي وفني.

فهذه طرفة ابن العبد في معلقته وهي مرحلة بعيدة في الشعر العربي يحدثنا عن رؤيته للحياة والكون من خلال فلسفة اللذة والتمتع بالشراب لأنه غير مخلد في الحياة ولذا فهو يتمتع بها وبلذاتها بكل ما أوتي من قوة .

وأبو نواس في زهده ومجونه على السواء لا نعدم لديه فكرا ما يفلسف به رؤياه الشعرية ويضمنه إياها ولا نستدل هنا بغير ما اختاره صلاح عبد الصبور نفسه من شعر أبي نواس في كتابه ” قراءة جديدة لشعرنا القديم ” يقول أبو نواس :

أيـا رب وجـه في التـراب عتـيق

                            و يـارب حسـن في التـراب رقيق   

ويـارب حزم في التـراب ونـجدة

                            ويـارب رأي فـي التـراب وثـيق    

أرى كـل حي هالـكا وابـن هالـك

                           وذا حـسب فـي الهـالكـين عريق

فقـل لمقـيم الـدار إنـك ظـاعـن

                            إلى مـنزل نائـي المحـل سحـيق    

إذا امتـحن الدنـيا لبيـب تكشـفت

                             له عـن عدو فـي ثـياب صديـق      

والمعري والمتنبي وغيرهما من شعراء العربية الكبار أصدق مثالين على امتزاج الشعر بالفكر وإن كان لكل منهما مشرب فكري مختلف ورؤية مختلفة.

  والمعري على سبيل المثال وقد أفرد له صلاح عبد الصبور مقالا طويلا بمجلة المجلة عام 1969 م  - سيد شعراء العربية غير منازع وسر ذلك – كما يرى – ” أنه شاعر معذب الوجدان ملتهب الفكر والخاطر لا يعنيه أن يجمع مالا أو يئول إلى غنى بقدر ما يعنيه إلا  أن يحمل مسئولية هذا الكون بأرضه وشرائعه ونواميسه وأهله على كاهليه الناحلين “.

وهذا اعتراف من الشاعر يؤكد شغفه بالمعري لهذه الصبغة الفكرية التي تبدو لمن يقرؤه أن شعره فهو ” ملتهب الفكر والخاطر لا يعنيه أن يجمع مالا أو يئول إلى غنى بقدر ما يعنيه إلا أن يحمل مسئولية هذا الكون “.

 أما المتنبي وهو من شعراء العربية الكبار فيقول عنه صلاح عبد الصبور :” وعند أبي الطيب المتنبي نجد لونا من التأمل الميتافيزيقي الجامح في الحياة لقد اختفت نغمة الزهد عنده تماما وأوشك شعر الموت أن يعود إلى نفاذه الجاهلي القديم ولكن مع غنى أكثر طلاقة وإشراقا “

ثم يعود فيؤكد بعد استعراض للشعر العربي والمنزع الفلسفي الذي وجد فيه منذ العصر الجاهلي إلى عصر أبي العلاء فيقول : ” وكأن تلك الأفكار الميتافيزيقية وتلك النغمة الزاهدة معا كانتا إرهاصا بانبثاق الشاعر العربي الكبير أبي العلاء الذي أدار كتابه النثري ” الفصول والغايات ” وديوانه الفريد ” لزوم ما يلزم ” على التفكر في أمر الموت والحياة والزهادة والتقى عنده الرافدان الكبيران للأدب العربي من قبله ذلك الرافد الذي شهدنا خطرات منه عند شعراء الجاهلية وشهدناه متألقا عند أبي الطيب المتنبي وذلك الرافد الآخر الذي نبع عند عدي بن زيد العبادي وتألق عند أبي العتاهية “.

 ثم يقول : “وشعر المعري وثيقة نفسية تكشف عن ذهن متألق ووجدان منتفض وبخاصة حين بلغ تمام نضوجه في لزومياته فهو لم يغادر شأنا من شئون الحياة والموت في مستوياتها الشاملة إلا ألم به وبسط فيه رأيا وخاطرة ” .

لا داعي إذن أن نعيد التأكيد على أن الفن والأدب والشعر يحمل فكرا ما في طياته قد يختلف هذا الفكر من شاعر لآخر ومن جيل لآخر وهذا ما لاحظه صلاح عبد الصبور نفسه عند كثيرين من شعراء العربية .

من هنا نختلف مع صلاح عبد الصبور في إدعائه أنه أضاف عنصر الفكر إلى الشعر العربي خصوصا أن شاعرا كعبد الرحمن شكري أحد الرومانسيين ومن أصحاب مدرسة الديوان له في شعره قسط وافر من هذا الفكر والرأي الذي يتعلق بشئون الحياة والموت ومثل ذلك عند المازني وعند العقاد .

ونستطيع أن نقول بكل اطمئنان إن الشعر الرومانسي كان كله انتقالا بالشعر العربي من مرحلة فكرية لها خصائص وسمات ورؤى وطروحات يشكل أغلبها المذاق الفكر الإسلامي إلا ما هناك من تشوهات فكرية عند الكلاسيكيين .

كان هذا الانتقال إلى طور من الشك والتأمل والحيرة والبحث عن الهدف والغاية من الحياة أما في التصور الإسلامي فالمسائل الميتافيزيقية في غالبها محسومة من خلال التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان .

ومن ثم نقول إن المدرسة الرومانسية جاءت بأفكار جديدة وآراء مختلفة وبرز البعد النفسي والتأملي عند أربابها جميعا وإن كان بدرجات مختلفة متقاربة حينا ومتباعدة حينا آخر فكانت مرحلة طرح الأسئلة الميتافيزيقية المؤرقة عن الموت والحياة والسعادة والشقاء والحلال والحرام والإيمان والإلحاد ممهدة لظهور الحداثة من بعد لتقوم بدورها الهدمي و التخريبي في البنية المعرفية والثقافية والأدبية والفكرية على السواء .

ولا أدري لماذا كان كسر هذا الطوق الذي هو طوق نجاة حين ظنه أولئك أعملوا معاولهم في هدمه رمزا للتقييد وعدم الانطلاق فانطلقوا ينقلون عن الأدب الغربي والفكر الغربي  دون تمحيص ودون إحساس بخصوصية الذات أمام هذا الوافد الذي أثار الزوابع في بحار الإيمان العميقة في فكرنا و تراثنا وثقافتنا بدلا من أن يدعونا إلى معاودة اكتشاف هذه الذات ذات الخصوصية الفريدة وذلك الإيمان الذي هو أس حضارتنا ومعلمها البارز الكبير .

لقد كان من شعراء العربية قي ذلك الوقت الذي استطاعت فيه الأفكار الغربية في الفكر والفن التي حملتها موجة الرومانسية في الأدب والفكر أن تخترق هذا الحاجز المتين كان من شعراء العربية من استطاع إدراك ذلك التفرد وتلك الخصوصية الإيمانية ومن أمثال هؤلاء الشاعر أحمد محرم ومنهم أيضا الشاعر السعودي حمزة شحاتة الذي تحس فيه تأثرا فنيا كبيرا بالشعر الرومانسي في صوره المتلاحقة ونسيجه المرهف ولكنه مع ذلك كله ظل الإيمان - بمفهومه الإسلامي- ضابط هذا التفكير إذا جنح ومفزع ذلك التأمل إذا اشتط وروح هذه الثورة إذا ثار تلاحظ ذلك في كل ما تقرؤه من شعره فهي ثورة على الواقع المتدهور وما وراءه من الأسباب وثورة على الباطل وتأمل شفاف في المأساة الإنسانية التي يحياها العالم المعاصر ولكنه تأمل من لم يفقد رؤياه الإيمانية وتصوره الإسلامي الأساسي للكون والحياة والإنسان .

نحن إذن مع صلاح عبد الصبور في أن له فكرا ما ووجهة نظر ما في الحياة والكون ولكننا لسنا معه في أن أول من أضاف ذلك إلى العمل الأدبي في الشعر العربي ولسنا بحاجة إلى أن نناقش معه كذلك أن الشعر العربي يحمل فكرا ما فهذا ما نتفق معه فيه انطلاقا من الفرضية الأساسية وهي أن الفكر عنصر أصيل في كل عمل فني وأدبي ولكننا نؤكد مرة ثانية أن ذلك ليس خصيصة اختص بها الأدب الغربي وحدة دون الأدب العربي في تاريخه الطويل وإنما الاختلاف بينهما هو الاختلاف في نوع الفكر الذي حمله كل أدب في كل حقبة والرؤية التي قدمها وطريقة كل أدب في إخراج هذا الفكر في ثوب الأدب والشعر فقد يكون فكر كل أديب أو شاعر متعلقا بجانب أو آخر من جوانب الحياة وقد يكون وجهة نظر شاملة أو جزئية وقد يكون وجهة نظر مبنية على تصور مستقيم وواضح وبناء معرفي متماسك أو وجهة نظر عشوائية تشكل في مجموعها تناقضا في التصور الأساسي للحياة والكون والإنسان .

كما قد تكون وجهة نظر عابرة شكلها ظرف آني محدد أو تأثر صاحبها بما عند الآخرين فإذا به يتبناه على أنه رأيه ووجهة نظره كما أن ذلك الفكر والرأي قد يتغير هو نفسه من وقت لآخر حسب تطور الرؤية الفكرية والبنية المعرفية والثقافية والأدبية وحسب التجارب الحياتية الخاصة في حياة كل أديب وشاعر .

فما هو فكر صلاح عبد الصبور ؟

  وما هي وجهة نظره في الحياة والكون ؟ والإنسان أيضاً؟إننا بإزاء عالم فكري متناقض سواء كان ذلك في شعره أو في كتاباته النثرية هذه ملاحظة أولى والملاحظة الثانية هي أن صلاح عبد الصبور تبنى أكثر من موقف أيديولوجي على مدار حياته الشعرية والأدبية.

 إنه هو نفسه يؤكد ذلك في أكثر من موضع من كتاباته النثرية فهو يتبنى الواقعية الاشتراكية عندما راج  سوقها في مصر في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات وأواسطها ويعود فيتراجع عن ذلك الموقف في مرحلة السبعينيات .

 كما تحس من مجموع ما كتبه رؤية مشوشة عن الدين فتارة يرى الدين إلها كالسلطة والوضعية الاجتماعية يجب أن يخرج عليه الأديب والشاعر وتارة يرى الأديان جميعا أرضية وسماوية هي بحث عن الحقيقة العليا في الكون وينظر إلى التصوف على أنه التجليات الكبرى للأديان جميعا ما كان منها سماويا أو أرضيا ويساوي بينها جميعا  فالإسلام والمسيحية واليهودية والبوذية والهندوسية هي في نظره مظاهر وتعدد لحقيقة واحدة هي جوهر هذه الأديان جميعا .

 وهذه رؤية أقل ما توصف به هو الجهل والمغالطة، والجهل بحقيقة الدين ومعناه ولو من وجهة النظر الإسلامية التي يفترض أن للشاعر من معرفتها النصيب الأوفر ومن فهمها القسط الكبير والتي يفترض كذلك أنه من المدافعين عنها والمؤيدين لها.

   ولكن لم كل هذه الافتراضات والشاعر نفسه قد أراحنا منها ورأى في الدين إلها كالسلطة والوضعية الاجتماعية يجب على الفنان والشاعر والأديب الكفر بها ابتداءً حتى يخلص لفنه وأدبه وشعره.

أما نظرته للأخلاق والفضائل الإنسانية فيراها مسألة نسبية فمنها ما هو قديم ومنها ما هو معاصر وأن جميع الأديان والفلسفات حاولت أن تدخل الفن والأخلاق في إطار رؤيتها الخاصة وتبنت موقفا مضادا مما يعد في رؤيتها فنا ضارا وكأنه يرى أن ما دخل تحت مسمى الفن فهو الخير الخالص حتى ولو كان هدما للعقائد الصحيحة والتصورات السليمة.

إن من يقرأ شعر صلاح عبد الصبور ونثره ويحاكمه بمنطق التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان يجده يحمل خليطا فكريا من الرؤى والتصورات التي حملها الفكر الغربي بجناحيه الاشتراكي الماركسي والليبرالي التحرري أما التصور الإسلامي فلم يكن حاضرا في شعره أو نثره فضلا عن كثير من الأغلاط التاريخية والثقافية .

 

 

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نقد أدبى | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الرؤيةالفكرية عند صلاح عبد الصبور”

  1. أنا مغرم بالشاعر والأديب المصري العظيم صلاح عبد الصبور ولكني لا أريد التعليق على صلاح عبد الصبور بسوء فانت يا أستاذ طاهر تذمه وتجعله بعيدا عن الإسلام



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر