الشعر في العصر الثوري
كتبهاطاهر العتبانى ، في 7 أكتوبر 2008 الساعة: 17:50 م
الشعر في العصر الثوري
كان لحركة الجيش المصري في يوليو 1952م دور في صبغ الحياة السياسية والفكرية في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات في مصر بالفكر الاشتراكي الماركسي وتحت كثير من المسميات ظهرت أنماط حياة جديدة حاولت طمس كل معلم من معالم الفكر الإسلامي الصحيح الذي أصبح دعاته مغيبيبن عن الحياة العامة ثقافية واجتماعية وسياسية إما في السجون والمعتقلات أو خارج مصر نظرا للجو الخانق الذي لعبت فيه السلطة السياسية دورا كبيرا واستطاعت أن تفرض هيمنتها على مرافق الحياة كلها فلم يعد كاتب يكتب عن الإسلام إلا من خلال إلصاق دعاوي الاشتراكية وأفكارها بمفاهيم الإسلام وتعاليمه .
واستطاعت هذه الحركة أن تجتذب حولها من يروج لفكرها وسياساتها ويغطي الوجه الزائف الذي فرضته على الحياة في مصر فظهر ما أسموه الأدب الاشتراكي والنقد الأدبي الذي يؤسس لهذا الأدب ويحاول إظهار هذه المفاهيم من خلال الأدب المكتوب شعرا ونثرا في هذه الفترة .
وكان من الشعراء الذين استطاعت حركة الجيش المصري بعد أن قبضت على زمام السلطة في مصر ان تحركهم لبث مفاهيمها وفكرها الشاعران صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي .
ولم يقف هذا التوجه الأيديولوجي المشتق من الفكر الماركسي عند هذين الشاعرين في مصر بل امتد ليكون هو التوجه الذي غلب على كثيرين من شعراء ونقاد هذه الفترة فوجدنا سليمان العيسى يكتب عن أبي ذر ويبرزه على أنه ثائر اشتراكي في وجه السلطة السياسية على عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان معتمدا في ذلك على مصادر تاريخية أغلبها مما لا تصح رواياته ولا تثبت أمام النقد التاريخي كما هو معروف في علوم الرواية .
ونجد البياتي في العراق وأدونيس في سوريا يحاول كل منهما أن ينفخ في النار في التراث القومي والشعوبي في فترة ما قبل الإسلام أو في فترات الشذوذ والخروج عن التصور الإسلامي كما في فكر الباطنيين وأمثالهم محاولين إحياءه من خلال استعارة رموزه ومضامينه وإسقاطها على الواقع أو على أنها نماذج للخلاص .
وهكذا أصبحـت كلمات ” الـفكر الاشـتراكي ” و ” العصـر الثوري ” و ” الأدب الاشتراكي ” ومثيلاتها هي المهيمنة على حركة الفكر والثقافة .
في هذه الفترة ظهر كتاب ” الشعر في العصر الثوري ” والذي صدر في أكتوبر 1966م وفيه يحاول مؤلفه – الدكتور عز الدين إسماعيل – أن يضع مجموعة من الأسس النقدية والأيدلوجية التي تقوم على الفكر الماركسي ويسقطها على أدب تلك الفترة .
يقول د . عز الدين إسماعيل في هذا الكتاب :
” ونحن نمر في عصرنا الثوري بتجارب حيوية في سبيل بلورة إطار عالم لحياتنا وقد اقتضانا هذا خوض عدة معارك مع أنفسنا ومع القوى المعطلة أو المناوئة في الداخل وفي الخارج حتى تأكد لنا أن طريق الاشتراكية هو الطريق الذي نستطيع أن نحقق به كياننا ونؤصل وجودنا ونضع لحياتنا إطارا جديدا واضح المعالم محدد القسمات “
ويقول : ” وكما كانت ثورة يوليو النبع الذي انطلق منه المد الثوري وما زال في أرجاء الوطن كذلك حملت اشـتراكـيتنا اسم ” الاشتراكية العربية “ لأننا سواء في معاركنا السياسية أو الاجتماعية لم ننس يوما – وما كان لنا أن ننسى – أننا جزء من الوطن العربي ولهذا كانت تجربتنا الاشتراكية رائدة للنظام الاجتماعي الذي اتخذته البلدان العربية الأخرى المتحررة وصار الاتحاد الاشتراكي العربي هو القوة الساهرة من أجل إقامة ذلك البناء الاجتماعي الجديد ” هذه الفقرات من الكتاب توضح لنا كيف حاول ذلك الناقد أن يرسم توجها فكريا للأدب يقوم على الفكر الاشتراكي الماركسي تحت دعاوي الاشتراكية العربية التي كانت- في نظر الناقد - هي ذاتيتنا الثقافيةوخصوصيتنا الفكرية .
وأصبح الشعر أشبه باللافتات الانتخابية التي تدعو إلى الفكر الذي سيطر على هذه المرحلة الحرجة التي اتسمت بالقهر والطغيان السياسي والفكري على حد سواء، هذا الفكر الذي سموه -على حياء من استخدام كلمة الماركسية – الفكر الاشتراكي العربي.
ويورد الناقد د . عز الدين إسماعيل في كتابه قصيدة لأحمد عبد المعطي حجازي يدلل بها على ما يريد الوصول إليه :
كن لي عائلة
يا حصن الفلاحين الفقراء
فأنا لا أسرة لي
إلا الإنسان بلا أسماء
كن لي عاصمة
يا بلد العمال الغرباء
فأنا لاموطن لي
منذ تركت الأرض الخضراء
كن لي ملحمة أرويها للبسطاء
نركب فيها الخيل
ونفتح مدن الحب
ونحرر في السجناء
هذا في الوقت الذي كان النظام السياسي في مصر يذيق كل من يرفع صوته في وجه النظام ألوان البطش والتنكيل والاعتقال وفي موضع آخر من الكتاب يقول د . عز الدين إسماعيل : ” ومع بواكير العصر الثوري الذي نعيشه الآن بدأ التحول في طراز تفكيرنا في مسائل الأدب والفن بعامة حين وضعت مهمة الأديب في الحياة موضع النظروالبحث من جديد ” .
والذي يجدر ذكره هنا هو أن طراز التفكير الذي يتحدث عنه الدكتور عز الدين إسماعيل لم يكن مستقى من أصولنا الثقافية والحضارية بشكل أساسي ثم منطلقا لبناء ذاتنا الحضارية من خلال التفاعل الواعي مع ماعند غيرنا من عوامل البناء الحضاري مما يجب صهره في بوتقتنا الثقافية والحضارية
والأدبية بل كان نقلا أصم للمذهب الاشتراكي الماركسي الذي بينه وبين تربتنا الثقافية بوْن شاسع وفرق كبير يصل إلى حد الاختلاف العقائدي بيننا وبين عقائد الماركسيين وتصوراتهم.
وفي الصفحات من ( 17 ) إلى ( 24 ) من هذا الكتاب يحاول الناقد – د. عز الدين إسماعيل – أن يرسم منحنى لارتباط الفن بالعقيدة السائدة في المجتمع دون أن يأخذناإلى حكم قيمي مبني على أساس صحيح على هذه العقائد التي تحدث عنها سواء كانت هي القصيدة التي تحدث عنها وفهمها من خلال ما طفح به التاريخ الأوروبي في العصور الوسطى من هرطقات ألصقت بكلمة الدين في عمومها – ولكنها من منطق الإسلام تختلف أو سواء كانت هي عقيدة ” الفن للفن ” التي كانت في حقيقتها رد فعل على ما كان سائدا قبلها من طغيان آليات العصر الصناعي الأوروبي في بداياته الذي مهد لظهور الرومانسية في الفكر والأدب الغربيين حتى يقول في ص . ( 24 ) من الكتاب : ” ونحن نمر في عصرنا الثوري بتجربة حيوية في سبيل بلورة إطار عام لحياتنا وقد اقتضانا هذا خوض عدة معارك مع أنفسنا ومع القوى المعطلة أو المناوئة في الداخل والخارج حتى تأكد لنا أن طريق الاشتراكية هو الطريق الذي نستطيع أن نحقق به كياننا وتؤصل به وجودنا ونصنع لحياتنا إطارا واضح المعالم محدد الفسمات “
ونحن اليوم نتساءل : أين هي الاشتراكية كمنهج وفكر ؟ لقد أصبحت هذه الأيديولوجية من ذكريات التاريخ المعاصر بعد سقوط دولتها التي ظلت طوال سبعين عاما لا تستعمل غير أسلوب العسف والقهر والطغيان – في الداخل والخارج على السواء – لفرض منهج لا يصلح للحياة البشرية فضلا على أن ينتج أدبا رفيعا ويعطي لتاريخ الأدب قيما جمالية جديدة .
لقد كانت هذه الكلمات غزلا صريحا للنظام القائم آنذاك ولكنه رغم ذلك يقول في صفحة ( 34 ) من الكتاب المذكور ” وحتى اليوم لم تفرض ثورتنا على الأدباء والشعراء والفنانين شيئا أعني أنها لم تلزم بشيء وإنما تركت كل النوافذ مفتوحة وجعلت الصراع الفكري وحده وفي إطار من حرية التعبير يرسب في النفوس الوعي الكافي بالدور الطليعي للأدب والفن في حياتنا الراهنة ويدفع بالأدباء والفنانين من تلقاء أنفسهم و بفطرهم السليمة إلى الالتزام الذاتي فالأديب والفنان في مجتمعنا ما يزال يختار موقعه ويعدل موقفه مدفوعا إلى هذا بواقع التجارب التي يعيشها في المجتمع وهو يوم يلتزم بقضايا مجتمعه ومشكلاته فإنه إنما يتخذ هذا الموقف حرا مختارا وفي هذا ضمان كاف لاقتران الفن بالعقيدة ” .
ونحن نتساءل : أية عقيدة تلك ؟ أهي العقيدة الماركسية ؟
وهل تصلح هذه العقيدة لبناء مجتمع أول سماته السمة العقائدية التي تباين وتناقض العقيدة الماركسيبة في كل أفكارها وتصوراتها التي أثبتت التجارب في الأمس واليوم أنها صادمت الفطرة الإنسانية وانزلقت بها في منحدر سحيق ونتساءل كذلك : أين كانت ذاتيتنا الثقافية – كأمة متميزة – حينما فرضت هذه العقائد والأيديولوجيات – قبل كونها مذاهب أدبية – على مجتمعاتنا المتميزة عنها تمايزا حضاريا يصل إلى حد النقيض .
لقد كانت هذه العقيدة الجديدة – لا كما يراها الدكتور عز الدين إسماعيل - حلقة في سلسلة طويلة من التدهور الفكري والعقائدي والأيديولوجي الذي منيت به أمتنا بدء من نقل الثقافة الغربية والفكر الغربي ومحاولة فرضه على الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي لهذه الأمة وانتهاء بالطعنات والضربات التي كالتها النظم السياسية التي تبنت الفكر اليساري لطلائع العمل الفكري الإسلامي تلك الطلائع التي غدت ملء سمع وبصر العالم الإسلامي اليوم .
لم يكن التوجه الاشتراكي الماركسي كسابقاته – الرومانسية والكلاسيكية- مجرد اتجاه جمالي وأدبي – كما يرى البعض – لا يؤثر على قيمنا الحضارية والعقائدية والثقافية بل كان حلقة في مسلسل الهدم والتخريب الذي بدأه من يسمونهم الرواد ممن تربوا على موائد الفكر والثقافة الغربية بحلوها ومرها وخيرها وشرها وبارزوا العداء كل فكرة تريد الإسلام أو تنطلق منه .
واليوم وبعد مرور ما يقارب نصف قرن على صدور هذا الكتاب يتضح بجلاء حكم التاريخ على هذا الفكر الذي أرادوا زرعه في أرض الإسلام وفي تربتنا الثقافية فلم يجد إلا الموت والذبول .
” فأما الـزبـد فـيذهب جـفاءً وأمـا ما يـنفع الـناس فيمكث في الأرض “.سورة الرعد .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نقد أدبى | السمات:نقد أدبى
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























