لماذا الأدب الإسلامي - مرحلة مابعد الرومانسية
كتبهاطاهر العتبانى ، في 3 أكتوبر 2008 الساعة: 14:24 م
الشعر ما بعد الرومانسية
( أ ) البدايات الأولى :
كانت البدايات الأولى للسياب ونازك الملائكة ألصق بالأسلوب الرومانسي الذي يقوم على الخيال الجامح والتشبث بالطبيعة ويمكن القول أن البدايات الأولى لشعر الحداثة كانت في نهايات الأربعينيات من القرن الماضي عندما كتبت الشاعرة العراقية نازك الملائكة قصيدة الكوليرا وذكرت في كتابها قضايا الشعر المعاصر أن السياب نشر في ديوانه أزهار ذابلة قصيدة من الشكل الذي كُتٍبَت به قصيدة الكوليرا .
هذا الشكل العروضي الجديد الذي اعتمد وحدة التفعيلة بدلا من وحدة البيت الشعري في الشعر العمودي كان هو البداية الحقيقية لحركة الحداثة التي كانت صدى لما تم في الغرب من تطور في معالجة فنون الأدب من خلال المذاهب الفكرية والفنية التي جاءت بعد العصر الرومانسي .
وبينما كانت الفترة الكلاسيكية والرومانسية ظاهرة عامة وسمة مميزة لكل من عصريهما فإن عصر ما بعد الرومانسية اتسم بالتحولات السريعةوالأفكار المتعددة التي ماتلبث أن تظهر على السطح حتى يبتلعها الموج في واقع اجتماعي متشابك ومعقد لا تحكمه معايير محددة و لاقيم ثابتة .
وقبل أن نتحدث عن تيار الحداثة في الأدب العربي وما أثربه في واقعنا الثقافي والاجتماعي من تاثيرات ضارة بعيدة المدى بفكرنا وثقافتنا وتميزنا الحضاري والاجتماعي نعرج سريعا على ماحدث في أوروبا في الفترة التي أعقبت انتهاء الرومانسية وخفوت صوتهافقد ظهرت في أوروبا عدة تيارات فكرية وأدبية وفنية وكان كل منها أشبه برافد ليصب فـي مجرى كبير أسـماه نـقاد الأدب تيار الحداثة .
ومن هذه الروافد كان المذهب الطبيعي الذي يقوم على تقليد الواقع ونسخه والتعبير عنه على الصورة التي يوجد عليها في ظاهر الأمر بدون تهويل خيالي كالذي اتسمت به الرومانسية .
وهذا المذهب ينبثق أساسا من الفلسفة المادية في الفكر والفن ويرى أن جماليات العمل الأدبي تنبع أساسا من محاكاة الواقع بناء على تصور وقيم جمالية تنبع من الفلسفة المادية في مواجهة الفلسفة المثالية ولقد ارتبط هذا المذهب أكثر بأشكال أدبية غير الشعر كالقصة والمسرحية النثرية والرواية .
وهذا المذهب كان انبثاقا من فكرة الواقعية بمعناها القريب – غير الواقعية الاشتراكية – والتى ظهرت كرد فعل على تيار الرومانسية الجارف .
ثم انبثق من هذا المذهب ما سمي بالمدرسة الانطباعية التي تقوم أصولها الفلسفية والفكرية على فلسفة التغير الدائم عند الفيلسوف اليوناني القديم هيرقليطس ويقول د. أحمد الطاهر مكي : كانت الانطباعية ثورة على الكلاسيكية والرومانسية معا وأصبح لها دعاة في عالم الأدب عرفوا بالاسم نفسه وقرب نهاية القرن التاسع عشر أصبحت الأسلوب السائد في جميع أرجاء أوروبا وأصبحنا نجد في كل مكان شعراء للأحوال النفسية ولانطباعات الجو و لفصول السنة الضائعة وللساعات الهاربة في اليوم وأصبح الناس يقضون أوقاتهم حول أشعار غنائية عابرة لا تكاد تلمس وعن منبهات حسية غير محدودة وغير قابلة للتحديد .
كانت كل من المدرسة الطبيعية والانطباعية في الأدب الـغـربي - كما سبق أن قلنا – تطورا عن فكر الواقعية التي ظهرت كرد فعل للخيال الرومانسي المهوم تحاول أن ترد الأدب ليعبر عن الواقع بصورة مباشرة ودون اعتماد على الذاتية المفرطة والخيال المجنح بل تدعو إلى رصد الواقع بشكله الحقيقي .
يقول سيدني فنكلشتين : والفن الواقعي يعكس تاريخ زمانه إنه يمنح الناس معرفة بالنسيج الأعرض للمجتمع الذي يعدون هم جزءا منه ويبين لهم كيف أن مشكلاتهم إنما يشاركهم فيها الأخرون مشاركة تتم على مستوى عريض
وليس يخفى في كلام هذا الناقد الأمريكي فكرة الطبقات والصراع الطبقي وكلمة النسيج الأعرض للمجتمع تعكس بوضوح وقوع هذا الاتجاه تحت تأثير الفكر الماركسي وتفلسف قضايا الأدب والفن بناءا على الأفكار الماركسية حيث يرى ماركس أن البنية السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها تقوم على تطور البنية الاقتصادية التي تقوم في حقيقتها – كما يرى ماركس – على أساس علاقات الإنتاج في المجتمع .
ومن الناحية التطبيقية كانت الثورة البلشفية في روسيا والتي اتخذت من فكر ماركس وأسسه ونظرياته أيدلوجية لبناء الدولة الشيوعية .
كانت هذه الدولة عاملا من عوامل انتشار الفكر الشيوعي ومن ورائه الأدب الذي يدّعي الالتزام بقضايا الحرية والعدالة والدفاع عن الطبقات الفقيرة والمسحوقة من ابناء المجتمع واصبح الحزب الشيوعي هو الموجه الأول لكل ما يصدر من أدب وفن وأصبحت القيمة الجمالية في الأدب في المرتبة الثانية بعد ما يتضمنه العمل الأدبي من أفكار ماركسية .
ولا يعد من نافلة القول أن نذكرأن سدنة الحزب الشيوعي في روسيا وغيرها من البلدان التي تبنت الشيوعية وبشروا بها كانوا هم أنفسهم أبعد الناس عن الإحساس بآلام المسحوقين والمظلومين والعمال ولعل في ما كشفت عنه حقائق الأمس القريب تأكيدا لهذه الحقائق التي ظلت تجهلها الشعوب التي عاشت تحت نير القهر الشيوعي سنوات طويلة .
( ب ) الرمزية في الأدب العربي :
ظهرت المدرسة الرمزية أول ما ظهرت على يد الشاعر الفرنسي بودلير واهتمت بالحديث عن المجهول واستثارة الحس لدى القارئ وهي كمذهب فني أقرب للفكرة القائلة بأن العمل الفني غاية في ذاته وليس وسيلة ولذا فهي – أي الرمزية - ترفض اللقاء مع الاتجاه الواقعي الذي أنتجته المادية وشجعه أنصار المذهب الاشتراكي الذي يرى في الفن وسيلة للتعبير عن قضايا المجتمع ومشكلاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كما يرى الفكر الماركسي .
والرمزية تعد أسبق من الواقعية الاشتراكية ظهورا وإن كانت ظهرت بعد ظهور فكرة الواقعية التي سبق أن ألمحنا إليها والتي كانت رد فعل للحركة الرومانسية في أوروبا.
يقول د .الطاهر مكي : تتجه الرمزية إلى الحديث عن المجهول وتستثير باسلوبها إحساس القارئ وتشد انتباهه وتحاول إيقاظ المشاعر حتى يجد القارئ بنفسه ما يروقه في العمل الأدبي عسى أن يجد فيه ما لم يخطر على بال الأديب وإن كانت الصورة توحي به وتشير إليه والإيحاء غاية الشعر عند هذه المدرسة ولهذا وجب أن نختار الكلمات الموحية ذات الإشعاع فالكلمة كالصدى الوافد من بعيد والصدى رجع الصوت ووراء الكلمة ما يشبه الصوت وعلى القارئ أن يصيخ سمعه إليها فالكلمات لا تقصد لذاتها ولا تستعمل في الأدب الرمزي فيما وضعت له وإنما تستعمل لعلاقتها بحقيقة أخرى لا تدركها الحواس .
الرمزية إذن لا تهتم بالمشاكل الواقعية وتنصرف عن السياسة بعيدا وعن المجتمع وهمومه ومشاكله .
ولا غرو فاكبر دعاة الرمزية وهو بودلير عاش حياة بوهمية ذاهلة شاردة حتى لقد اطلق عليه الشاعر الرجيم ومن هنا كان أكثر الشعر الرمزي معقدا مغلقا لا يفهم إلا بصعوبة ومشقة وربما كانت الرمزية إحدى الحلقات في التطور نحو السيريالية من الوجهة الفنية بعيدا عن الجانب الأيديولوجي الذي توزع بين عدة اتجاهات داخل الاتجاه السيريالي .
( ج ) السريالية أو ما فوق الواقعية :
ظهرت السريالية وكانت صدى لنظريات فرويد في إعلاء الغريزة الجنسيةوادعاء أنها المتحكم الأول في السلوك والنشاط الإنساني وارتبطت في أول أمرها بالفكر الشيوعي والثورة الشيوعية ثم أصبحت تدعو بعد ذلك إلى التحرر المطلق – كما يفهمه الغرب – ومن هنا بدأت تتشعب منها عدة اتجاهات أيديولوجية وفكرية ونظرا لدعوى الحرية المطلقة التي أعلى السيرياليون من شأنها .ومن هنا وجدنا من أصحابها ودعاتها من اهتم بالفكر الماركسي الشيوعي المادي وحاول نشر هذا الفكر من خلال الأعمال الأدبية السيريالية ومن دعاتها من دعا إلى التحرر من سلطان الكنيسة ومهاجمة النشاط الديني الكاثوليكي .
ومن أصحابها من اهتم بالوقوف إلى جانب الفقراء والمضطهدين وضحايا الظلم الاجتماعي وانحاز هؤلاء إلى الفكر الماركسي الذي ادعى أنه السادن الذي يحمي حقوق المضطهدين والكادحين والطبقات الدنيا في المجتمع .
وهي دعوة إلى نبذ العقل جانبا والتحلل من واقع الحياة الواعية والخوض في مجال اللا شعور واللامنظوروالعناية بعالم ما وراء الحس وقد ظهرت آثار ذلك في كتابات الشعراء السرياليين في صعوبة فهم وتفسير ما يكتبون وغموض وانغلاق ما كتب من الأدب السريالي بوجه عام .
( د ) الوجودية :-
يقوم الفكر الوجودي على أساس فلسفة القوة عند نيتشة وهذه الفلسفة تقوم على فكرة أن العالم قائم على إرادة القوة وتركز هذه الفلسفة على حرية الإنسان وتحرره من كل شيء وترى الإنسان سيد نفسه وتخلع جانبا كل ما يتصل بالدين صحيحا كان أو خطأ .
والوجوديون ينطلقون من مقولة ديكارت الفيلسوف والرياضي الفرنسي أن أفكر إذن أنا موجود ويقول الدكتور .الطاهر مكي عن الوجودية : وما دام الوجود اليقيني قد تخلص في تفكير الفرد فلا يوجد شيء – فيما يرى الوجوديون – خارج هذا التفكير ولا سابقا عليه وبالتالي – كما يتصورون – لا يوجد إله ولا توجد ماهية ولا مُثل ولا قيم أخلاقية متوارثة لها صفة اليقين.
ويُعد جان بول سارتر هو سادن هذا المذهب المتحلل ويدّعي الوجوديون أنه في مقابل هذه الحرية المطلقة يوجد هناك نوع من المسئولية والالتزام يجب على المفكروالأديب الوجودي أن يلتزم به .
ونحن نتساءل :أي التزام ذلك ؟ وأي مسؤلية تلك ؟ وماهي المعايير والضوابط التي تبنى عليها تلك المسؤلية وهذا الالتزام ؟
لقد أعلت هذه المدرسة الفكرية من شأن ما أسموه القلق الوجودي ولو نظرنا في تاريخها لوجدنا مدى التحلل الخلقي والجنسي الذي عاش فيه سارتر نفسه ومدى التأزم النفسي الذي عاناه في أيامه الأخيرة وعند موته حين طلب أن يؤتى إليه بقسيس من الكنيسة بعدما ضرب عرض الحائط بفكرة الأديان كلها حقها وباطلها على السواء .
( ه) نظرة تقويمية :
والذي يتضح لنا مما سبق أن كل تيار أدبي إنما كان صدى لمذهب وفلسفة وفكر معين يبنى عليه تصور معين وعقيدة محددة في النظر إلى الكون والحياة والإنسان.
ومما هو جدير بأن يذكر أن هذه المذاهب والمدارس الأشتات كانت بحثا عن يقين يروي ظمأالغربي إلى عقيدة تشيع في حياته قيما حقيقة لهذه الحياة ولكن الغرب وقد سيطرت عليه المادية وأصبحت أساس حياته كلها وبعد أن رفض كل ما يتصل بالدين أي دين فقد ظهرت هذه المذاهب الفكرية وعبر عنها الأب الغربي محاولة أن تحل الأزمة الحضارية التي بدأ الغرب يعيشها ويتقلب على جمراتها ولذا نلحظ كثرة هذه المذاهب في وقت قصير نسبيا ولا يقف الأمر عندما ذكرناه من المدارس بل ظهرت مدارس ومذاهب أخرى كثيرة منها الدادية والتصويرية والمستقبلية والتعبيرية والتكعيبية وغيرها من المذاهب الفنية والأدبية التي كانت صدى لأفكار ظلت تطرح نفسها باستمرار باحثة عن حل لمشكلة الفكر الأوروبي المادي القلق .
ومن غريب الأمر وعجيبه أن أدبنا العربي المعاصر وقع تحت تأثير كثير من هذه المذاهب الغربية متصورا أنها لا تعدو كونها شكلا فنيا ولذا نجد في نتاج كثير من شعراء العربية المعاصرين صدى لهذه المدارس والمذاهب أو لأخلاط وأشتات منها في وقت واحد .
وظهر في أدبنا العربي عدة تجمعات شعرية حاولت أن تنقل هذه الأفكار والمذاهب على الأدب العربي بدعوى وحدة الثقافة الإنسانية والفكر الإنساني وبدعوى حتمية التاثر والتأثير فيما بين الثقافات المختلفة .
ومن هنا راجت دعوات القومية بمفهومها الضيق وظهرت آثار واضحة للفكر المادي في شعر مجموعة من الذين تأثروا بالفكر الماركسي وانبهروا بالثورة الشيوعية في روسيا ووقع تحت هذه المذاهب والأفكار كثرة كاثرة من شعرائنا المعاصرين بل لقد ذهب كثير منهم إلى محاولة تفسير التاريخ ا لإسلامي والتراث العربي الإسلامي تفسيرا ماديا من خلال هذه التصورات الهزيلة المنقولة من هذا الفكر الوافد الزاحف الذي يحاول أن يكتسح أمامه كل قيم هذه الأمة .
ولقد بدا واضحا اضطراب الرؤية الفكرية عند الكثيرين والأمثلة كثيرة متعددة فهذا صلاح عبد الصبور يتبنى الموقف الاشتراكي – وهو في هذا يساير الرؤية السياسية لنظام الحكم القائم – في فترة الستينيات ثم ها هو ذا يعود في أواخر حياته ليرى في الديمواقراطية الغربية طوق النجاة والخلاص وهو ما بين هذا وذاك يتبنى نوعا من الرؤيا الصوفية ولا يرى في تراثنا العربي من فكر يحتذى إلا فكر التصوف الفلسفي الدخيل على الإسلام ويرى في ابن عربي والحلاج نماذج تاريخية لما يريد أن يطرحه من قضايا ومواقف ويجيء من بعده أحمد عبد المعطي حجازي ليرى في الشيوعية عقيدة يمكن أن تحل محل العقيدة الدينية وينوه إلى ذلك رجاء النقاش – الناقد الماركسي – في مقدمة ديوان أحمد عبد المعطي حجازي الذي يقول في أحد قصائده تعبيرا عن تمرده عن الدين والعقيدة :
دع لنـا الـلـيـل والـنساء .:. وتـثاءب مـع القمـر
أنـت يـارب فـي الـسماء .:. فـاترك الأرض للبشـر
إلى هذا الحد يصل التجرؤ على عقيدة هذه الأمة ودينها ممن يدّعون أنهم روّادها في الفكر والثقافة والأدب .
ولقد كان وقوع الفكر القومي الضيق – لأنه لا يملك منهجا كاملا منظما للحياة في جوانبها المختلفة – تحت سيطرة الفكر الماركسي تحت دعوى الاشتراكية كان لهذا أثره البالغ في غلبة الواقعية بمعناها الضيق على الشعر العربي المعاصر في الخمسينيات من القرن الماضي .
وسنحاول بشكل أكثر تفصيلا الوقوف أمام هذي التيارات التي اجتاحت شعرنا المعاصر من خلال الدراسة لمجموعة من رموزه أمثال صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي والبياتي والسيّاب وأدونيس وغيرهم ممن حملوا لواء الدعوة إلى التجديد والحداثة لنرى إلى أي حد كانت هناك رؤيا إسلامية في الشعر المعـاصـر .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نقد أدبى | السمات:نقد أدبى
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























