لماذا الأدب الإسلامي - مرحلة الرومانسية
كتبهاطاهر العتبانى ، في 30 سبتمبر 2008 الساعة: 21:15 م
مرحلة الرومانسية
(أ) الرومانسية في أوربا:
ظهرت الرومانسية – كما يقول “رينيه و يليك “- مع بدايات القرن التاسع عشر كحركة عامة في الفكر والفن الأوروبين ، ولم تكن مجرد حركة أدبية ، فمن المستحيل أن يكون الأدب والفن بمنأي عن واقع الحياة .ولقد كانت هذه الحركة الفكرية ، والفنية طوراً من أطوار الفكر الأوروبي الذي ما إن يبدأ طواراً فكرياً جديداًويقطع فيه شوطاً حتي يكتشف أنه أخطأ الطريق وأنه بحاجة إلي فكر جديد ، بل وعقيدة جديده يتصور أنها تصلح شئون حياته السياسية والاجتماعية وغيرها من شئون الحياة ونواحيهاالمتعددة
ولكن إذا عدنا إلي الوراء قليلاً في التاريخ الأوربي فإننا سنري كيف تخلص الفكر الأوروبي من سيطرة الكنيسة ، والدين الكنسي إبان عصر النهضه العلمية والثورة الصناعية ؟، وكيف أصبحت الحياة الأوروبية والفكر الأوروبي بمنأي عن تأثير الدين الكنسي الذي كان يحفظ لهذه القارة بعضا من الأخلاقيات و التماسك وفي عصر النهضة العلمية والثورة الصناعية بدأت عصر قيم جديده وتقاليد جديده ، كانت كلها نتاجا للإحساس الذي نشأ لدى الأوروبي ، وهو أنه بدأ يمتلك القدرة العلمية ، ويسيطر علي مناشط الحياه المادية المختلفة ، ويخلع من رقبته ذلك القيد الكنسي وتلك العبودية للكنيسة ويخلع معها من فكره كل ما يتصل بالدين من بعيد أوقريب ، ويعمم نظرته إلي الدين البابوىّ علي كل دين فيرفض كل ما يتصل بالدين أي دين .
ووسط هذا الهجير الروحي وتلك الماديةالمسيطرة ، والحياة الخاليه من كل قيمة سوي قيم الثورة الصناعيه و النهضه العلميه المادية وجد الأوروبي نفسه بحاجة إلى إله يتعبد له ، فالإنسان بطبعه لابد له من عقيدة يعتقدها وإله يعبده فان لم يعرف العقيده الصحيحة السليمه ـ عقيدة الإسلام ـ ، التمس لنفسه عقيدة أي عقيدة حتى ولو كانت زائفه .
وهنا تكمن بدايه الرومانسية كحركة فكرية وعقيدية ترى في الطبيعة إلها تتعبد له ومن ثم جاء الأدب ليعبر عن هذه الحركة الفكرية والعقائدية .
ثم تنتشر كفكر وأدب مع بداية القران التاسع عشر وتصبح سمة للفكر الأوروبي في هذا القرن .
وبالطبع لقد حملت هذه الحركه الرومانسية قيماً أدبيه جديدة إلى جوار ما حملته من فكر وعقيدة ومضامين ، لقد أعطت الخيال الرومانسيّ - كما يسمونه - القدح المعلَّى وجعلته فرس الرهان في حلبة الصراع مع أدب الفترة السابقة الـــتي عرفت في تاريخ الأدب الأوروبي بالكلاسيكية والنيو كلاسيكية .
وأيضاً لقد جعلت الرومانسية الطبيعة ووصفها، والحديث عنها هو الموضوع الذي يهتم به الرومانسيون به .
كما أعطت للمشاعر الإنسانية نحو الطبيعه والكون ـ كمعبود في تصورهم ـ المرتبه الأولي في الأهميه .
ولم تلتفت في هذا كله إلى الذي أوجد هذه الطبيعه وخلق هذا الكون ؛ حتي لقد حدث عداءٌ كبير بين الفكر الرومانسي وأفكار ” نيوتن ” الرياضية عن الكون كمخلوق أبدعته يد حكيم ٍقادر ٍمبدع ٍونشأ ما أسموه بعداء الرومانسية للتفسير ” النيوتوني ” للكون
(ب)الرومانسية في الأدب العربي :
وكنتيجة لوقوع العالم الإسلامي تحت وطأة المستعمرالغربي عسكريا وسياسيا واقتصاديا بدأأرباب الفكر والأدب حركة الترجمة التي بدأت منذ رفاعة الطهطاوي وإنشاء مدرسة الألسن فكان لحركة الترجمة أثر كبير في نقل الفكر الغربي إلى العالم الإسلامي .
ومن هنا بدأ نقل التصور الغربي للكون والإنسان والحياة إلى بلاد الإسلام وبدأت كذلك آثار التأثر والولوع بأدب الغرب وفكره وثقافته ، تظهر في شعر الفتره التي تلت فترة المدرسة البيانه وأدبها ، وظهرمن الشعراء من ينادي بالنسج علي منوال الشعر الأوروبي حتي وجدنا من الشعراء هذه الفترة من يذهب إلى ترجمة الشعر الأوروبي إلى اللغة العربية في أوزان الشعر العربي وعموده الخليلي ، ونجد من مدرسة الديوان ، التي حمل لواء ها العقاد والمازني وشكري ، حملة علي الأدب البياني وبخاصة شوقي الذي جعلوا منه هدفاً لتصويب سهامهم النقدية التي كانت متأثرة إلي حد بعيد بمنهج النقد الغربي والإنجليزي منه بصفة خاصة وبما جاءت به نظريات علم النفس وآراء السيكلوجبين عن الأبداع وطبيعته والابتكار والشخصية المبتكرة .
وكذالك كانت مدرسة المهجر ـ وأكثر شعرائها من الشام من لبنان وسوريا وأكثرهم من النصارى ـ مركزاً من مراكز نقل الفكر والتصور الغربي الرومانسي إلي الأدب العربي المعاصر . وإن شئت فاقرأ لمخائيل نعيمة وإيليا أبي ماضي وجبران وغيرهم من شعراء هذه المدرسة الذين عاشوا خارج أوطانهم وأصبحوا معبرا عبرت عليه أفكار الغرب في الفترة التي سيطرت فيها الرومانسية على الأدب والفكر العربي .
هذا في نفس الوقت الذي كان الأدب الغربي قد بدأ يغير أثوابه وأزياءه ويثور على هذه الرومانسية .
(ج) الاتجاهات الرومانسية :
ولقد تمثلت هذه المدرسة في ثلاثة تجمعات كبرى:
الأول : مدرسة أبو للو ومجلتها التي أسسها أحمد زكي أبو شادي وقاد فيها الدعوة لهذا الاتجاه ، ونجد أن في التسمية نفسها أبو للو أثرا ً من آثار هذا الارتماء في أحضان الغرب .
الثاني : مدرسة الديوان ، والتي تمثلت في كتاب الديوان الذي أخرجه المازني والعقاد ، والذي ركز علي نقد شعر شوقي من خلال مضامين جديدة علي الأدب والنقد منهاالوحدة الموضوعية والعضويه والمعايير النفسية التي تأثر بها الناقدان من خلال القراءات الواسعة في الأدب الغربي وشعره ونقده ، وكذالك لم يسلم من نقدهما عبد الرحمن شكري نفسه
الثالث : مدرسة المهجر التي تكونت في أمريكا من مجموعة من الشعراء الرومانسيين وأكثرهم من الشآميين حيث كونوا الرابطة القلمية وقد كان شعر المهجر في مجموعه صورة من الأدب الغربي سواء في صوره وتعبيراته أو في التصور الرومانسي الذي يقدس الطبيعة و يتعبد لها ، ويذوب فيها ويغالي في الخيال ويجعل ذالك هدفاً بحد ذاته من أهداف هذه المدرسة .
(د) نظرة تقويميه:
والناظر في مجموع ما أنتجه الرومانسيون من شعر يجد ندرة الشعر الذي يتحدث عن القضايا التي تعيشها الأمة ، بل لقد أصبح كل شاعر جزيرةمنعزله عن الواقع الذي تحياه الأمه في ذلك الوقت لم يعد الشاعر يكتب في غير أحزانه الخاصة وهمومه وآلامه الشخصية وسيطرت بشكل واسع فكرة الفن للفن وعبادة الطبيعة حتى إن الأحداث التي كانت تمر بالأمة لا تستلفت أحدا من الشعراء للحديث عنها وماكان يستلفت النظر منها لاتجده إلا شعراً ضعيفاً مليئاً بالبيانيات والزخارف اللفظيه وتصبح القصيدة وصفاً للحادثة وتعليقاً عليها تعليقاً سريعا ًلا يتوقف أمامها متخذا ً موقفا ً يقوم علي دعائم فكريه واضحة أوتصور شامل منظم ، ومثال ذلك عند علي محمود طه حين ما يتحدث عن ” كيلو بترا ” أو عن “الجندول ” تجد هذه اللغة الشفافة التي تصور ذلك الجو الرومانسي الذي هو صورة الهيمان والذوبان في الطبيعة وصورها وظلالها والأقبال علي متاعها وشهواتها ولذاتها المتمثلة في الخمر والنساء.
وأما حين يتحدث عن حادثة من الحوادث التي كانت تمر بمصرفي ذلك الوقت أو حين يكون الشعر رثاء لشخصيه من الشخصيات العامة تجد الأسلوب البياني المحافظ علي الأسلوب القديم في لغة الشعر ، وتجد الكلمات الجزلة الرصينة ، والتمسك بالقافية الواحدة على المدار القصيدة كلها وإن طالت .
وحينما تقرأ الدواوين الأربعة لإبراهيم ناجي تجد عزفاً على وتر واحد لا يتغير ولا يتبدل عن ذلك الشرود الذاهل والهيمان المبهم .
تجد تلك الغيبة الكاملة عن الواقع الفكري والثقافي والحياتي للأمة ، وتجد انطواء علي النفس ، وبكاء على أطلال الحب المفتقد ولوعة الفراق و ألم البعاد دون أن يستلفتك على مدار الديوان كله موقف منظم شامل.
وهكذا أصبح الشعر يدور حول ذاته ، والشاعر منكفئا ً على نفسه يتأمل أحزانه وآلامه وهمومه وخيالاته وأطيافه الهائمة ، عوالم ضيقه محصورة في هذه الموضوعات التي انتقلت إلى الأدب العربي المعاصر من الأدب الغربي الفرنسي والإنجليزي وخاصة ً مع اتساع حركة الترجمه لهذه الآداب سواء في الشعر أو في ألوان الأدب وفنونه الأخري .
وكأني بهذه الحال تعبر عن القلق والاضطراب في الفكر والتصور لدى الشعراء الرومانسييّن في هذه الفترة الحرجة القلقة المضطربه من تاريخ أمتنا المعاصر
ونحن في هذا كله لا ننكر قراءة الآداب الأخرى ، وترجمتها ولكن لالنقع تحت سنابكها مقلدين لتصوراتها وفلسفاتها وقيمها الفنيه دون وعي وإحساس باستقلالنا الشخصي ، أودون فهم لتميزنا العقائدي والفكري ولكن لنعرف أين نقف نحن ؟ وما هو الدور المنوط بنا إزاء هذا العالم كله كما أصبح الأدب فيما يتعلق بموضوعات الحياة الثقافية والفكرية صورة لما عليه حال الأمة من توزع وانقسام واختلاف بين دعوات الفرعونية والقومةالضيقة والوطنية بغير معناها الإسلامي الذي يعد كل بلاد المسلمين وطناً لكل مسلم .
وحتي في التقاليد الفنية ،أصبحنا ننظرإلى التراث الغربي الأوروبي القديم في العهدين اليوناني والروماني نظرة الاروبيين لهذا التراث ، فصارت الأسطورة اليونانية والرومانية هي العالم الخيالي الأسطوري الذي يحاول الشاعر السفر إليه وانتزاع الصور والخيالات والتضمينات والاسقاطات والرموز والأقنعة منها ومثال ذلك كثير فعند الشابي – مثلا – نجد استعارة أسطورة ” برومثيوس ” للتعبير عن التمرد والانطلاق في قصيدة ” هكذا غنى برومثيوس ” وحين يتحدث عن تجربته العاطفية والوجدانية في قصيدة ” صلوات في هيكل الحب ” نجده يستعير صورة ” فينوس “من الأسطورة الإغريقية لقصيدته ويستخدم في عنوان القصيدة ” صلوات في هيكل الحب ” رمزا إسرائيليا ويهوديا هو الهيكل وكذلك أصبحت ” كـليو باترا ” و” أنطونيو ” و ” روميو ” و” جوليت ” وغير ذلك من الرموز والاسقاطات هي الفلك الذي يدور فيه أدب الرومانسيين .
ويلخص الدكتور محمد محمد حسين في كتابه القيْم : ” الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر ” صورة هذا الواقع في تاريخ الأدب المعاصر في الفترة الرومانسية فيقول بعد حديثه عن أثر الفكر الغربي والتصورات الغربية على الحياة الثقافيةوالاجتماعية فيقول: ” وانحرف الشعر والأدب فأصبح اسم الرومانسية أو الرمزية مظهرا من مظاهر الأنانية والانطواء على النفس الذي يورث الهم القاتل لكل همة حينا أو العكوف على الشهوات الصارفة عن كل خير حينا آخر واصبح في معظمه تعبيرا عن أمراض النفوس وانعكاس المعايير والتنفيس عن الشهوات وشاع في بعض شباب الكتاب وفي بعض شيوخهم موجة من النقد تهاجم الشعراء الذين يهتمون بالمجتمع وتتناولهم بالتحقير وتخرجهم من زمرة الشعراء والأدباء حين تصفهم – على سبيل الاستهزاء – بأنهم شعراء مناسبات وبأن مايكتبون ليس أدبا ولكنه وعظ وإرشاد وكأنه اصبح من شروط الأدب أن تخرج موضوعاته عن حدود الأدب وأن يلتزم التعبير عن جوعه إلى الشهوات ” .
ويقول في كتاب ” الإسلام والحضارة الغربية ” : “فإذا انسلخت الأمم المستضعفة من تقاليدها وثقافاتها وحضاراتها ودخلت في تقليد المتسلط عليها في ثقافته وحضارته فقد أفنت نفسها فيه وينتهي بها الأمر إلى الإعجاب بمستعبديها وسكونها إليهم وأنسابهم وعند ذلك لا تجد في نفسها ما يحفزها للسعي إلى التخلص من استعبادهم لأنها تفقد الإحساس بأنهم يستعبدونها حين تفقد الإحساس بأنهم غرباء عنها ولا تراهـم أهـل فـضل علـيها ” ويتحدث عن أدباء العرب ممن فتنوا بالغرب من نفس الكتاب ” الإسلام والحضارة الغربيـة ” : ” وفتنوا بما استحدثه الغرب من مذاهب كانت صدى لظروف خاصة في البيئات التي أنتجتها كالرومانسية والرمزية والسريالية والوجودية وبعضها من مظاهر التدهور و الإنحلال فدعوا إلى مثلها في الشعر العربي دون أن يكون من وراء ذلك هدف إلا مجرد التقليد على ما فيه من ضرر أكثر الأحيان وسموا أنفسهم حين نقلوا ذلك كله وقلدوه تقليد القرد ورددوه ترديد الببغاوات مجددين وعصريين وسموا الذين يكتبون في أسلوب آبائهم وأجدادهم وقومهم وعشيرتهم ويجرون على أنماطهم مقلدين وجامدين ” .
وكان من جراء ذلك أن استحكمت الأزمة الفكرية والكارثة الثقافية حتى لتجد من بين المفكرين الذين نسبوا أنفسهم إلى الإسلام من يدعو لنبذ طريقة الإسلام في الحياة وإطلاق العنان لخيول الغرب الجامحة تفعل فعلها بفكر المسلمين وحضارة الإسلام .
وكانت فترة انتقال التصور الرومانسي إلى الأدب العربي حلقة من حلقات وقوع الأدب العربي تحت وطأة التقليد للآداب الغربية المختلفة وظل ذلك مستمرا حتى سُمّي بتيار الحداثة الجارف الذي جرف أمامه الكثير من القيم والثوابت الأساسية للأمة وفكرها .
فبعد ظهور الرومانسية ظهرت الرمزية والواقعية والبرناسية والسريالية وأخيرا الحداثة بتيارها العنيف الذي لا يُبقي على قيمة لغوية أو جمالية أو فكرية .
وهكذا – إلى اليوم –ظل الأدب العربي واقعا تحت وطأة هذا التقليد يغير أزياءه ويبدل أثوابه حسب آخر ما يلبسه الأدب الغربي من ثياب عارية من كل قيمة وفضيلة وعاطلة عن كل خلق ومبدأ وكان للأسطورة الأغريقية تغلغل بعيد المدى في الشعر الرومانسي – كما سبق أن قلنا – وتبرز هذه الظاهرة بشكل سافر في ديوان “ أرواح وأشباح ” أحـد دواويـن عـلي محمود طه – على سبيل المثال - بل إنه ليقدم هذا الديوان بمقدمة نثرية تربو على الصفحات الخمس يتحدث فيها عن جو الأسطورة وأثره على فكره وشعوره وروحه فيقول : ” وحبب إليّ هذا الجو الأغريقي الساحر وأساطيره الغادية الشادية أني وأنا أتمثل هذه الأرواح صورا أو أستلهمها إحساسا وفكرا خيل إليّ أن روحي قد انسرقت من طيف فيما يشبه أحلام اليقظة أو لحظات الشرود الإلهي مأخوذة بما ترى مشفقة مما تسمع وكأني بها وراء سحابة في عالمها الذي سبق أن عاشت فيه عند بعثها الأول ووجدت نفسي في طريق أفلاطون ومُثله العليا فتنفست في هذا الجو حرا طليقا لا تقيدني بيئة ولا عقيدة ولا يحد من حريتي حذر أو اتهام وأرسلت بصري في هذا الطريق الصاعد البعيد فلم يصل إلى مداه وبدأت البصيرة عملها من حيث انتهى البصر فإذا أبواب سحرية موصدة وراءها خفايا وأسرار وقضايا وأقدار وإذا بي عند ختام قصيدتي لا أزال في ذات الطريق لم أصل إلى غاية ولم أوف على نهاية “.
هذه الكلمات من مقدمة هذا الديوان تصور الجو الشعوري والنفسي الذي يسيطر على الشاعر والذي أصبح بمثابة الإطار المرجعي له حينما كتب قصائد هذه المجموعة ” أرواح وأشباح “وما يؤسف له بالفعل أن يقول علي محمود : ” وتنفست في هذا الجو حرا طليقا لا تقيدني بيئة ولا عقيدة ” .
لقد أصبح الموروث الإغريقي الوثني الذي هو صورة لعصر قديم مضى سيطرت فيه الوثنية على الحياة في ذلك المجتمع بكامله وشكلت رؤاه ومعاييره ومضامينه في التصور والشعور والسلوك والسياسة والسياسة والاجتماع أصبح هذا الموروث هو العالم الشعوري الذي ينسج منه الشاعر رؤاه الشعرية ويشكل عناصر تجربته .
وهذا إن دل على شيء فلا يدل على شيء دلالته على الافتتان بالغرب وتقاليده وتصور أن الحياة الأوروبية المعاصرة بواقعها الذي تحياه وماضيها الإغريقي الذي انبثقت منه هي النموذج الذي يحتذيه الفكروالفن في هذه الفترة التي أعقبت سقوط الخلافة العثمانية الإسلامية وشهدت هزيمة ساحقة للمسلمين حيث حلت ثقافة الغرب ومدارسه الفكرية مكان كل ما هو إسلامي .
وتدور قصائد ” أرواح وأشباح ” حول مجموعة من الموضوعات التي لاتخرج عن تصوير أجواء الشذوذ والشهوات والنزق الجنسي حتى ليحس القارئ المسلم بالفعل أنه في وسط جو خانق لا يستريح له ويشعر فيه بغربته وتغرق قصائد هذا الديوان في خيال يذهله عن الواقع الذي يحياه فلا يشعر بقضايا مجتمعة وما يضطرم فيه من مشكلات وصراعات فعلي محمود طه في عرضه لخواطره ومشاعره نراه ينسى نفسه وواقعه وينقل لنا صورة غريبة عن مجتمعنا الذي نعيش فيه
كل هذه الصورة منقولة من أجواء الحياة الأوروبية ومشحونة بجو الأساطير الإغريقية القديمة .
ولو مضينا نتتبع النماذج ونضرب الأمثلة لوجدنا الكثير الكثير ومن خلال سيطرة هذا الجو الخانق على الشعر العربي وسيطرت هذه الرؤى الغربية على أدبنا وشعرنا أصبحت الأسطورة الإغريقية والرمز الغربي الخالص هو المهيمن على تجارب من تلى الرومانسيين من الشعراء من أصحاب الحداثة الذي بدأت أصوله الأولى في شعر السياب وصلاح عبد الصبور وسعيد عقل وأخذ يتطور بشكل مفزع عند أدونيس الذي تنكر تماما للتراث العربي الموروث الثقافي والتاريخي لهذه الأمة .
وأصبح الشعر المعاصر صورة شائهة للبعد عن ثقافة الأمة وثوابتها وخصوصيتها الثقافية والحضارية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نقد أدبى | السمات:نقد أدبى
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























