لماذا الأدب الإسلامي

كتبهاطاهر العتبانى ، في 28 سبتمبر 2008 الساعة: 14:40 م

) لماذا الأدب الإسلامي ؟!

 

 

انطلاقا من شمولية الإسلام كمنهج منظم لمختلف النشاطات الإنسانية على هذه الأرض سواء أكانت هذه النشاطات فكرية نفسية أم عملية حركية.

وانطلاقا من أن الإسلام حين يعالج مشكلة من المشكلات في أي عصر من العصور إنما يعمل على إيجاد بديل ليستفرغ النشاط الإنساني فيه طاقاته ويصرف مواهبه فلا تظل هذه الطاقات أو القدرات قدرات معطلة مهملة ثم تصبح عرضة للتفجر والانطلاق في غير ما يراد لها .

وانطلاقا من سيطرة الباطل على الأرض، هذه السيطرة التي تتمثل في سيطرة الحضارة المادية من خلال كثير من الوسائل والطرق أولها وأهمهاالسيطرة الثقافية والفكرية حى أصبحت مناهج الغرب ونظرياته وأفكارة في السياسة والإقتصاد والاجتماع وأفكارة وعقائده لها الغلبةوالتمكن في كل بقعة من بقاع الأرض حتى داخل بلاد المسلمين حيث وجدت لها الأنصار والمؤيدين ومن ينافحون عنها ويدعون إليها في جد ودأب بل لقد أصبحت مراكز السيطرة أبعد مما نتصور لقد وجدت هناك في عقول أبناء الأمة المراكز الحصينة والقلاع  الشامخة لهذا الفكر المادي والحضارة الغربية.

ولقد عمل الأدب على إيجاد هذه المراكز الفكرية في عقول أبناء الأمة وكان وقوع الأدب العربي المعاصر – بدءا بالتأثر بالحركة الرومانسية الغربية ومرورا بالواقعية والرمزية الغربية المعقدة وصولا إلى الحداثة المعاصرة – تحت سنابك الفكر الغازي في  أشكاله الأدبية من شعر  ورواية وقصة ومسرحية سببا من الأسباب التي خلقت ذلك النمط الذي يقدس حضارة الغرب وفكره وثقافته ولا يرى سببا للنهوض والتقدم ودخول آفاق القرن الحادي والعشرين – كما يرون – إلا بتطبيق فكر الغرب في الصغير والكبير وأخذذ الحضارة الغربية – كما يقول أحد دعاة هذا الفكر – بخيرها وشرها !!.

لهذه الأسباب وغيرها كان وجود الأدب الإسلامي ضرورة ملحة وبديلا أمام زحف الأدب الغربي وتأثيرة المباشر في الأدب العربي المعاصر أو بتعبير أدق على الأدب المكتوب بالعربية في هذا العصر .

ونظرة سريعة إلى ما أُنتج من أدب في هذه الفترة  - منذ بدايات القرن الماضي إلى اليوم – يؤكد ما نذهب إليه فأنت   لا تجد اليوم إلا اليسير من الأدب الذي يمكن أن تنسبه إلى العقل المسلم والوجدان الذي يلتزم نهج الإسلام .. هذا إذا ما قارناه بالكم المنتج من الأدب غير الملتزم بالمنهج الإسلامي.

وهذا بالطبع لا ينفي وجود أدب ترسم خطى الإسلام في هذه الفترة ولكن ما حجم هذا الأدب ومدى انتشاره مقارنا بالأدب الذي صار يقلد كل ناعق يأتي من الغرب المادي .

والسؤال الثاني : ما مدى ماأثر به هذا الأدب الذي صار يعمل على اتخاذ موقف ملتزم بالإسلام إلى جوار ما أثر به الأدب الذي نَهَجَ نَهِِج الغرب ؟

إنك على طول الخط لا تجد من الأدباء العرب من كانت له هذه الرؤية الشاملة الواسعة في النظرة إلى الإسلام كمنهج للحياة اللهم إلا القلة القليلة ظلت بعيدة عن الضوء الإعلامي.

إن وجود الأدب الذي يلتزم الإسلام كمنهج شامل للحياة البشرية الذي يعد ضرورة ملحة حين ننظر لتاريخنا الأدبي المعاصر الذي وقع فريسة للكلمة الغربية كما وقعت أرضنا تحت سيطرة الغرب الزاحف بعدده وعدته وفكره وثقافته   ومنهجه  في الحياة .

وهنا نقف لنستعرض بعض آثار هذا الغزو الثقافي الذي كان الأدب الممر الذي عبر عليه .

 مرحلة ما قبل الرومانسية :

نبدأ فنقول … لكل من الأمم منهج  وعقيدة تتميز بها بين الأمم وفكرة تنافح في سبيلها وتسعى إلى الدعوة إليها والسيطرة من خلالها على الأمم .

وأمة الإسلام كأمة متميزة في عقيدتها وشريعتها كان لابد لها أن تنطلق لافي السيطرة على العالم بل في سبيل دعوة الناس إلى الدخول في دين الحق التزاما بمنهجها الذي رسمه لها كتاب الله عز وجل .

 { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين } يوسف ( 108 ) .

وهذا ما حدث في تلك الفترة الزاهية من حياة هذه الأمة حيث أصبح كل نشاط داخل المجتمع الإسلامي الأول في عهد النبي  - صلى الله عليه وسلم – يلتزم بمنهج الدعوة وأصبح كل نشاط – ويهمنا هنا في هذا المقام نشاط الكلمة- موجها للقيام بهذا الدورإلى جوار كافة الأنشطة داخل المجتمع الإسلامي .

وإبان عهد الخلافة الراشدة كان الحال كذلك حتى لنجد مؤرخي الأدب يميزون بين عصر صدر الإسلام وما سبقه في العصر الجاهلي ويؤكدون أثر الدعوة الجديدة – الإسلام- في الشعر العربي في عصر صدر الإسلام ويستخلصون سمات للشعر في هذا العصر  تميزه عن سابقه إلا أننا ورغم انحراف مسيرة الأدب العربي فيما بعد العصر الإسلامي الأول عن الصورة النموذج التي كان عليها الأدب في صدر الإسلام نجد آثار هذه الدعوة في كل ما أُنتج من أدب عبر هذه العصور .

وإذا تصفحت عصور الأدب وقرأت لكبار الشعراء حتى المجان منهم وأصحاب اللهو والخلاعة تجد لبعضهم قصائد أصدق ما يقال فيها أنها قصائد إسلامية والشواهد على ذلك كثيرة.

هذا إلى جانب كثيرين ممن قصروا شعرهم على الزهد كأبي العتاهية أو على الدعوة والجهاد كابن المبارك وغيرهما كثير .

وإذا وقفنا أمام شاعر كبير كالمتنبي فإنك حين تتصفح ديوانه تعجب لفيض الحكمة التي يتفجر بها  شعره وإن كانت موضوعاته مدحا وهجاءا ورثاءا وما إليها من أغراض الشعر التقليدية .

إلا ان هذه الحكمة ذات الحس الإسلامي تراها متناثرة كاللآلئ في أبيات مفردة دون أن يعرض رؤيا إسلامية شاملة في شعره وقصائده ولنعرض عليك بعضا من هذه الأبيات:

لا تحسب المـجد تمـراً أنت آكله

                          لن تبلغ المجدحتى تلعق الصبـرا

وقوله :

أعز مكان في الدنـاسرج سـابح

                        وخير جلـيس في الزمـان الكتاب

وقوله :

 الـرأي قبل شـجاعة الشجـعان

                       هـو أول وهي المحـل الثـانـي

وقوله :

إذا أنـت أكرمـت الكريم ملكتـه

                        وإن أنـت أكرمـت اللئيم تمـردا

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا

                     مضر كوضع السيف في موضع الندى       

 وهكذا الحال بالنسبة لكثير من شعراء العربية كما أنك واجد في أدبيات العرب النثرية هذه الروح الإسلامية واقرأ – إن شئت – الإخوانيات والرسائل والمقامـات لترى مصداق ما أقـول .

ويستمر الحال على ذلك إلى أن يبدأ الأدب العربي  - والشعر خاصة – في التراجع من الناحية الفنية والجمالية ويدخل في طور التقليد للسابقين من كبار شعراء العربية وأدبائها .

وفي الوقت نفسه الذي يتراجع فيه الأدب تشهد الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية تراجعا ملحوظا ويظل خط الانحدار – رغم وجود بعض القفزات فيه – في الهبوط حتى تفيق الأمة المسلمة على جحافل الغزو الاستعماري في القرن التاسع عشر وبدايات هذا القرن تسيطر على أرضها.

وأمام هذا المأزق الحضاري الذي وقعت فيه الأمة الإسلامية وأمام هذا الخطر الداهم نجد هذه الأمة وقد انقسمت شيعا وأحزابا في نظرتها للغرب المستعمر ما بين رافض لهذا الغزو لا يملك غير الصراخ والعويل وما بين مؤيد ومبارك لا ترى منه إلا التشيع لروح التقليد – والتشبع بها – لمنهج هذه الحضارة المادية كان هذا كله سببا في ضياع وحدة هذه الأمة على المستوى الفكري والسياسي والاجتماعـي .

وانعكس هذا كله على وضع هذه الأمة في الزمان والمكان لقد اصبحت تحيا طورا من أطوار التقليد الذي فرض نفسه على شكل الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية وسرت عدواه إلى مناهج التعليم والتربية والقضاء وصبغ جميع مظاهر الحياة لدى الأمة المسلمة ولقد تم كل ذلك بقوة المستعمر وبمن استطاع أن يعدهم على موائده ويصنعهم على عين منهجه ليصبحوا فيما بعد قادة الأمة في فكرها وسياستها ونظم حياتها الاجتماعية والسياسية ويحركهم من خلف الستار ويعد لهم أدوارهم من وراء الكواليس .

وانعكس ذلك كله – بدوره – على الأدب الذي تنتجه الأمة وبمعنى آخر كان الفكر والأدب الذي برز في هذه الفترة صورة لهذا السقوط الحضاري الذي تعيشه أمة الإسلام .

ولنفصل ذلك الأمر :

بدأت الحياة الأدبية في مطلع القرن العشرين ونهاية القرن التاسع عشر تنزع إلى العودة إلى التراث الأدبي والفكري واللغوي تستقي منه  رؤاها وتنسج على منواله دون تمحيص لهذا التراث الأدبي والشعري واللغوي وتساوى لدى الحركة الأدبية وشعراء هذه الفترة الذين أطلق النقد الأدبي عليهم اسم ” المحافظين “أو ” البيانيين ” أو “الكلاسيكيين ” أقول لقد تساوى لديهم المتنبي وامرؤ القيس وأبو نواس في خمرياته ومجونه مع ابن المبارك وحسان في الزهد والذود عن العقيدة .

وكان شوقي وحافظ وقبلهما البارودي في مصر والرصافي في العراق وغيرهم صورة لهذه العودة غير الممنهجة وغير الواعية إلى التراث الشعري والأدبي في العصور السابقة .

والمثال على ذلك يمكن  أن تراه عند شوقي فبينما تراه يقول عن النبي – صلى الله عليه وسلم - :

ونودي اقـرأتعالـى اللـه قائلهـا

                         لم تتصل قـبل من قيـلت له بفم        

هنـاك أذن للـرحمن فامتـلأت

                         أسـماع مـكة مـن قدسية النغم

تراه يقول عن الخمر :

رمـضان ولـى هـاتها ياساقي

                       مشـتاقة تسعى إلــى المـشتاق

حمـراء أو صفـراء إن كريمها

                       كـالغيد كــل ملـيحة بمــذاق

وبينما تراه يكتب عن سقوط الخلافة تلك القصيدة الرائعة التي مطلعها :

عـادت أغـاني العرس رجع نواح

                     ونعـيت بـين مـعـالـم الأفـراح 

تراه يتغزل ويتحدث عن حفلات تقام هنا وهناك في قصور حكام مصر وبينما تراه ينسج على  خمريات وغزليات أبي نواس تراه يترسم نهج البوصيري في مدائحه للنبي – صلى الله عليه وسلم –

هذا التناقض وكثير مثله كان هو الصفة الغالبة على النهضة الأدبية التي شهدها مطلع  القرن العشرين وأواخر القرن التاسع عشر  في مصر وغيرها من بلدان  الإسلام وهذا يعكس بدوره  التناقض الذي بدأت تحياه الأمة في مجموعها بل إنك واجدصورة هذا الاضطراب الفكري وعدم وضوح الرؤية وشمولها في أدب كل شاعر وروائي ومسرحي على حدته .

وما يقال عن شوقي يقال عن الكثيرين ممن نسجوا على منوال شوقي ثم إذا تحركنا مع الزمن قليلا نجد أن آثار الاستعمار الغربي في  السيطرة الفكرية والسياسية والاجتماعية

 لقد أصبحت الأمة الإسلامية تعاني وترزح تحت وطأة المستعمر الذي خرب ودمر فكرها وأسقط دورها الحضاري الذي نيط بها وانعكس ذلك كله على جميع مناشط الحياة في السياسة والاقتصاد وفي الاجتماع وفي التربية والتعليم وفي النواحي التشريعية والحياتية كلها وأصبحت الحياة الأدبية كإحدى نواحي الحياة الفكرية صورة لهذه الاثار المدمرة .

وأما على الصعيد السياسي فنجد أن الأدب سيعطي صورة لهذه الاضطرابات في الفكر والسياسة ونجد أن من الشعراء من يوالي  الانجليز ويهتف بحياتهم ويرى لهم كل فضل وينسب إليهم كل محمدة ولا يرى ذلك خيانة لدينه و لا لعقيدته .

ومن هؤلاء الشاعران : ” ولي الدين يكن ” و ” نسيم ” اللذان ناصبا السلطة العثمانية العداء وانضما إلى الأحزاب المناوئة للسلطان العثماني مثل حزب ” تركيا الفتاة ” و ” الاتحاد والترقي ” حتى أن ولي الدين يكن يكتب في مقال عن الصوم كفريضة إسلامية فيتحدث عنه حديث المستهزئ الذي لا يتورع عن المجاهرة بالمعصية والتهكم بأحكام الإسلام وشرائعه وشعائره .

وإننا ونحن نذكر ما حدث في هذه الفترة لا يفوتنا أن نذكر أن السلطة العثمانية كانت قد وصلت إلى درجة عالية من الضعف والاضطراب وأصبحت أقطار الإسلام مرتعا خصبا لدول الغرب المتكالبة على ديار الإسلام من الهند حتى مراكش . ( 2 )

وكذلك افتقدت هذه الدولة السيطرة الإدارية المحكمة على أطرافها الواسعة وأصبح كل من الحزبين العلمانيين ” تركـيـا الفـتـاة ” و ” الاتحاد والترقي ” يعملان من داخل هذه الدولة على تفويض أركانها وزعزعة هيمنتها على شعوب العالم الإسلامي في تلك الوحدة الجامعة التي كانت يوما ملاذ كل مسلم ومحط أنظار العالم كله ونشأت الدعوات القومية والعصبيات للجنس واللون واللغة وأصبحت وحدة الدين التي كانت تجمع كل هذه الشعوب خبرا من الأخبار ورسما من الرسوم .

ويمكن أن نلخص كل ذلك في عدة نقاط:

( 1) القوميات الطورانية والعربية وغيرها من القوميات التي لا تقوم على أساس رابطة الإسلام  لابل تتعصب للجنس ولحضارة كل جنس من هذه الحضارات التي حدث بينناوبينها – بحكم الواقع التاريخي – انقطاع حضاري فلم تعد تصلح لأن تـقـوم علـيهـا “أيديولوجية ” أمة من الأمم أو دولة من الدول فنجد أن الاستعمار قد أحيا طقوسها ورسومها وذلك كالدعوات الفرعونية والآشورية والبابلية والحميرية والفينيقية وغيرها .

( 2 )  سيطرة الإستعمار الغربي الصليبي واليهودي بجيوشه وعتاده وهيمنته الاقتصادية والفكرية والإدارية على بلاد الإسلام ولا أدل على ذلك من سلطة المعتمد البريطاني في مصر

(3)تكوين بطانة سوء لهذا المستعمر تربت على منهجه وتشربت عقائده ونظمه وحسبت أن  فيها الخير والصلاح لبلاد الإسلام .

( 4 ) السيطرة الفكرية من خلال الصحف والمسرح والدراسات الأدبية المختلفة التي تدعوا لفكر الغرب ونظمه ومناهجه وأساليب حياته وفكره وتولى كبر هذه الدعوة أمثال لطفي السيد وطه حسين وجورجي زيدان وولي الدين يكن ونسيم من الشعراء والكتاب ومن المسرحيين يوسف وهبي وغيره من الذين استغلوا المسرح في نشر الآراء الغربية والتي وجدت لها سوقا رائجة في مصر وغير مصر .

( 5 ) الأحزاب السياسية التي تنعق بمبادئ الشرق والغرب التي استطاع دعاتها – والذين كان أكثرهم من الماسون وعملاء الاستعمار – أن يؤثروا على الرأي العام العام ويقومو بإفساد الأخلاق وتقويض أركان العقيدة في النفوس والقلوب .

( 6 ) السيطرة على التربية والتعليم والقضاء ولقد نشأت الجامعة المصرية من أول يوم لتكون مركزا من مراكز الغزو الفكري وأعطيت اليد الطولى فيها للقوميين والعلمانيين من أمثال لطفي السيد وطه حسين وأبعد عنها كل من يدافع عن الدين والعقيدة والأخلاق وخصوصية هذه الأمة وتميزها الفكري والعقائدي والسياسي والاجتماعي .

( 7 ) فساد الحكام والولاة ولا أدل على ذلك من عباس خديوي مصر الذي بدأفترة حكمه بالوقوف إلى جانب من يقفون لطرد المستعمر ومناوأته العداء ولكن هذه السيرة سرعان ما تضطرب فتجده تارة يناصر السلطان العثماني في الآستانة ويحقق مطالبه وأهدافه ويحارب أعضاء حزب ” تركيا الفتاة ” الفارين إلى أرض مصر  ثم نراه بعد ذلك يعادي السلطان العثماني ويقف إلى جانب المعتمد البريطاني في مصر ” كتشنر ” ويتحرك وفق ما يرسمه الإنجليز في مصر .

وكذلك ما حدث من الشريف حسين الذي أقنعه الإنجليز بالوحدة العربية وبما أسموه الخلافة العربية في مواجهة الخلافة الإسلامية العثمانية وأصبح العداء المستحكم هو المسيطر على علاقات الولاة والحكام في أقطار العالم الإسلامي ولم تكن الضحية في النهاية إلا وحدة هذه الأمة .

( 8 ) اضطراب أرباب الفكر والقلم ممن يظن بهم الإخلاص للدين والعقيدة وذلك بسبب الجو الملئ بالمتناقضات التي سيطرت على الحياة السياسية والاجتماعية وأصبحت الأمة في غليان داخلي بهذه الدعوات المتباينة والآراء المتناقضة ومظاهر الحياة المضطربة المتخبطة والمثال على ذلك عند حافظ وشوقي .

أما حافظ فيقول الدكتور محمد محمد حسين في كتاب ” الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر ” : ( وبين هاتين الطائفتين من الكتاب والشعراءالتي تؤيد إحداهما السلطة الشرعية ممثلة في الخديوي وتؤيد أخراهما السلطة الفعليةممثلة في قنصل بريطانياالعام كانت هناك طائفة ثالثة تتردد بين المعسكرين وتحاول أن تحتفظ بصداقتيهما معا وترجوا ألا يخطئها الخير والبر من إحداهما وتخشى إن هي أعطت كل نفسها لأحدهما أن تبتلى بعداوة الآخر وأذاه .

وهؤلاء هم ضعاف النفوس من المسالمين الذين لا يصبرون للكفاح ولا يستطيعون تجشم أعبائه وتبعاته وطلاب النفع الذين لا يرون طعاما يملأ البطون وكساء يختال على الأبدان ومتعا تملأ حياتهم الفارغة التافهة ).

وكان حافظ إبراهيم واحدا من هؤلاء المسالمين من طلاب العيش وكأنما كان يعني نفسه بالبيت الأخير من قوله في تبكيت المصريين :-

وشعب يفر من الصالحات              فـرار السليم من الأجرب

وصحف تطن طنين الذباب             وأخرى تشن على الأقرب   

وهذا يلوذ بقصر  الأميــر          ويدعو إلى ظله الأرحب

وهذا يلوذ بقصر السفير               ويطنب في ورده الأعذب

وهذا يصيح من الصائحين              على غير قصد ولا مأرب

  فقد ظل هذا المسكين منذ أحيل إلى الاستيداع فيمن عوقبوا من المتهمين في حادث تمرد فرقتي الجيش المصري بالسودان 1900م يدير وجهة إلى عباس تارة وإلى السلطان عبد الحميد تارة أخرى فإذا استيقنت نفسه قلة صلتها وقصر باعها انصرف إلى الإنجليز وقوى صلته بالشيخ محمد عبدة صديق كرومر وعدو عباس ولم يترك رجلا ذا سلطة يؤمل أن يجري خير على يديه إلا قصده وهو في كل حالاته يتملق ويستعطف مؤملا أن يصيبه الخير آخر الأمر من إحدى السلطات وقد تخلل سقوطه صحوات يتشبه فيها بالثائرين في مثل حادث دنشواي أو توديع كرومر ولكن الخوف والحرص يمنع ثورته من الانطلاق ويقيدانها بالأغلال ينم على ذلك شعره فهو يضع انجلترا موضع الأب الذي يظن بابنه العقوق إذ يقول :

لا تظنوا بنا العقوق ولكن             أرشدونا إذا ضللنا الطريقا    

وهو يشعر شعورا عميقا بضعفه أمامهم وليس هذا شأن الثائرين :

كيف يحلو من القوي التشفي           من ضعيف ألقى إليه القيادا 

إنها مثلة تشف عن الغيظ                   ولسنا لمثلكم أندادا

وهو في الأخرى يروي ما يقول الناس من حسنات كرومر وسيئاته بل ويقدم الحسنات على السيئات ثم يقول آخر الأمر إنه شاعر لا رأي له :

فهذا حديث الناس والناس ألسن  .:. إذا صاح هذا صاح هذامفندا

ولو كنت من أهل السياسة بينهم .:

                                  لسجلت لي رأيا وبلغت مقصدا

ولكنني في معرض القول شاعر  .:

                                 أضاف إليّ التاريخ قولا مخلدا

  وأما شوقي – وإن كنا قد ألمحنإالى اضطراب الرؤية لديه – إلا أن هذا الاضطراب يتجلى أكثر في موقفه من مصطفى كمال أتاتورك أثناء معركة الأناضول وقبل معاهدة ” لوزان ” وبعد أن أعلن إلغاء الخلافة الإسلامية وإن كانت نية شوقي في الحالتين هي الدفاع عن الإسلام فبينما تراه يصف معاركه في الأناضول وانتصاراته المتوالية :

يوم ” كبدر ” فخيل الله راقصة  .:

                             على الصعيد وخيل الله في السحب

تراه بعد ذلك يصف ما فعله بالمسلمين حين ألغى الخلافة الإسلامية :

عادت أغاني العرس رجع نواح .:.   ونعيت بين مـعالم الأفراح                                    

كفنت في ليل الزفـاف بثوبـه .:. ودفنت عند تبلـج الإصبـاح

شيعت من هلع بعبرة ضاحك  .:. في كل ناحية وسكرة سـاح

ضجت عليك مآذن “ومنابر “  .:.  وبكت عليك ممالـك ونـواح

الهند والهة ومصر حزينة     .:.  تبـكي عليك بمدمع  سـماح 

والشام تسأل والعراق وفارس .:. أمحاء من الأرض الخلافة ماح

  ويقول عن أتاتورك الذي كان يمدحه :

أأقول من أحيا الجماعة ملحد   .:.  وأقول من رد الحقوق إباحي  

ويقول عنه :

إن الغرور سقى الرئيس بكأسه.:. كيف احتيالك في صريع الراح

نقل الشرائع والعقائد والـقرى .:. والناس نقل كـتائب في الساح

 وهكذا كان حافظ وشوقي وهما من كبار الشعراء هذه الفترة نماذج عكس لنا شعرها مدى ما وصلت إليه أمة الإسلام في هذه الفترة من تضعضع وتناقض واضطراب فإن اقتربت من القرآن اقتربت وفي عينيها عوار وفي يديها قيود وفي أرجلها أثقال واثقال تحول  دون انطلاقتها المتمثلة بهدى الإسلام في كل جانب من جوانب الحياة .

وما ذلك إلا لما تحمل على ظهرها من أثقال قرون طويلة قعدت فيها عن الجهاد والدأب والنشاط وراحت في نوم عميق وإذا بهذه الأمة تفيق – كالمضطرب – وقد دهمتها سنابك خيل نابليون وحاصرتها أساطيل إنجلترا وفرنسا وجيوشهم وعتادهم وتقدمهم الصناعي والعلمي ثم كان لابد من أن تفيق وتظل فترة من الوقت حتى تعلم ما يجري حولها وما يخطط لها ويدور في الخفاء .

ويظل الجسد الإسلامي من الهند إلى المغرب في هذه الحالة من الاضطراب بين اليقظة والنوم ثم  تسقط الخلافة الإسلامية ويتسع البون بين الدعاة من بين هذه الأمة ما بين مسرف في تقليد الغرب يخرج من دينه إخراجا وما بين مغلق عينيه لا يريد أن يعرف ما يدور حوله ولا أن يفهم ما يدبر له ويخطط لسحقه .

ولو ذهبنا نستقي النماذج ونتبع الأمثله لوجدنا النماذج والأمثله والشواهد على ما نقول كثيرة سواء في مجموع ما أنتج من أدب في هذه الفترة بشكل عام أو عند كل شاعر على حدة .

ولكننا رغم ذلك لا نعدم أصواتا مخلصة كان شعرها أصداءا عذبة تدور مع الإسلام حيث دار وتتصدى لكل دعوة تريد أن تنال من الإسلام وهذا هو الشاعر المسلم أحمد محرم نموذج فذ في وضوح الرؤية والتمسك بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهاجا للحياة .

يقول أحمد محرم في سقوط الخلافة الإسلامية :

أعـن خـطـب الخـلافة تسـأليـنا

                             أجـيبي يـا ( فروق ) فتـى حزينا

هوى العـرش الذي استعصمت منه

                           بركـن الـدهر واستـعليت  حينــا

فـأين البـأس يقتـحم المنـايـا ؟

                         ويـلتـهم الكتـائـب والحصـونــا

وأين الجـاه يغمـر كـل جـاه

                         وإن جـعـل السمـاك لـه سفيـنــا                

مـضى الخلفاء عنك فأيـن حلوا

                          وكـيف بقيـت وحـدك ؟ خبـريـنا

هكذا كان الشاعر في كل ما كتب يصدر عن الإسلام في فهم صحيح وصدق في التوجه لا يرهب بطش الإنكليز ولا تحركه رغبة ” أو رهبة “

 تلك كانت صورة مجملة مقتضبة لما كان عليه الأدب في هذه الفترة ثم كانت المدرسة لتي أطلق عليها المـدرسـة الرومـانسية.

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نقد أدبى | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر